بلد بلا إنترنت: كيف يعمل الصحفيون داخل إيران؟
نستراك - عندما تقع الضربات العسكرية الكبرى، لا يكون أول ما يُستهدف في الدولة هو المنشآت أو القيادات فحسب، بل تدفق المعلومات نفسه. ففي أعقاب الضربات المنسقة التي استهدفت منشأة عسكرية في طهران وأسفرت عن مقتل عدد من كبار المسؤولين في النظام الإيراني، سارعت السلطات إلى فرض انقطاع شبه كامل للإنترنت. خلال ساعات قليلة، تراجعت قدرة البلاد على الاتصال بالعالم الخارجي إلى مستوى ضئيل للغاية، ووجد الصحفيون أنفسهم يعملون في بيئة معزولة تماماً، حيث تصبح كل معلومة تُنقل إلى الخارج عملية معقدة ومحفوفة بالمخاطر.
هذا الإجراء لم يكن مفاجئاً لمن يعملون في الميدان. فالصحفي المقيم في طهران مصطفى زاده قال إن ما حدث بدا مألوفاً للغاية بالنسبة إليه. ففي حديثه عن اللحظات الأولى بعد الضربة، أوضح أنه لم يُفاجأ كثيراً عندما انقطعت الاتصالات فجأة. ويقول: "لم أتفاجأ عندما ضربت الولايات المتحدة، ولا عندما انقطعت شبكة هاتفي ثم تلتها خطوط الإنترنت الثابتة". بالنسبة إليه، لم يكن ذلك سوى امتداد لنمط أصبح معروفاً في إدارة الأزمات داخل إيران.
فالحكومة الإيرانية، كما يشير الصحفيون الذين تحدثوا إلى موقع( WIRED ) ، اعتادت استخدام قطع الإنترنت كأداة للسيطرة على تدفق المعلومات. ففي كل مرة تتصاعد فيها التوترات السياسية أو الأمنية، يصبح الاتصال الرقمي أول الضحايا. يشرح زاده هذا المنطق قائلاً: "الهم الأساسي للحكومة الإيرانية هو منع التواصل بين عملاء المخابرات الإسرائيلية وأي اتصالات داخل البلاد". لكن هذه السياسة، بحسب قوله، لا تصيب الجواسيس بقدر ما تضرب الصحفيين والمواطنين الذين يحاولون نقل ما يحدث.
ويضيف زاده بمرارة أن الضحية الأولى في مثل هذه الحالات هي الحق في المعرفة، قائلاً: "الصحفيون يدفعون الثمن الأعظم… حق المعلومات هو دائماً الضحية الأولى عندما تعطي الحكومة الأولوية لأهدافها الأمنية". ومع انقطاع الإنترنت، يصبح الصحفي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إيجاد وسيلة للتحايل على القيود، أو التوقف عن العمل تماماً.
هذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها إيران انقطاعاً واسعاً للاتصالات. فالذاكرة لا تزال تحتفظ بما حدث خلال الاحتجاجات التي أعقبت وفاة مهسا أميني عام 2022، حين لجأت السلطات إلى قطع الشبكة وتعطيل تطبيقات المراسلة لعرقلة التواصل بين المتظاهرين. ويقول شهود عيان إن المشهد الحالي يحمل تشابهاً واضحاً مع تلك الفترة، عندما أصبحت العائلات فجأة غير قادرة على الاتصال بأقاربها، وبقي العالم الخارجي عاجزاً عن معرفة ما يجري داخل البلاد.
في مثل هذه الظروف، يتحول العمل الصحفي إلى عملية معقدة من الابتكار التقني والالتفاف على القيود. بعض الصحفيين يلجأون إلى تطبيقات مراسلة مشفرة مثل سيغنال أو ثريما عندما تسمح الشبكة بذلك ولو بشكل محدود، فيما يستخدم آخرون شرائح اتصال أجنبية، أو يقودون سياراتهم لمسافات طويلة نحو المناطق الحدودية لإجراء مكالمات هاتفية وإرسال رسائل نصية.
لكن أكثر الوسائل حساسية هي الاتصال عبر الأقمار الصناعية. فقد امتلك بعض الصحفيين إمكانية استخدام خدمة الإنترنت الفضائي "ستارلينك"، غير أن هذه الوسيلة ليست آمنة كما قد يبدو. يوضح مصطفى زاده أنه امتلك بالفعل جهاز اتصال عبر الأقمار الصناعية، لكنه اختار عدم استخدامه. ويقول: "كان خطر اكتشاف الاستخبارات الإيرانية لإشارة القمر الصناعي وتتبعها كبيراً جداً. الاعتقال على هذه الأسس قد يؤدي إلى اتهامات بالخيانة أو التجسس". ولهذا السبب، فضّل كثير من الصحفيين تجنب هذه التقنية رغم قدرتها على تجاوز الحصار الرقمي.
في المقابل، لجأت بعض المنظمات الحقوقية إلى استخدام هذه الوسيلة بشكل أكثر جرأة. فإرفان خورشيدي، الذي يدير منظمة لحقوق الإنسان من خارج إيران، أوضح أن فريقه تمكن قبل احتجاجات سابقة من تهريب أجهزة ستارلينك إلى داخل البلاد. ويقول: "إنها الوسيلة الوحيدة التي تسمح لمنظمات حقوق الإنسان بنقل معلومات دقيقة وموثوقة إلى العالم الخارجي". ويضيف أن انقطاعات الإنترنت في السابق كانت تخلق فجوات ضخمة في توثيق الانتهاكات، لأن ما يحدث داخل البلاد يبقى بلا شهود خارج حدودها.
لكن نقل المعلومات لا يعتمد فقط على الاتصال المباشر. ففي ظل التعتيم، أصبحت صور الأقمار الصناعية إحدى الأدوات الأساسية في العمل الصحفي. إذ تعتمد المؤسسات الإعلامية على صور عالية الدقة توفرها شركات تجارية لمقارنة المواقع قبل الضربات وبعدها، ما يسمح بتحديد حجم الدمار ورصد المباني المتضررة أو المركبات العسكرية.
الصحفي الإيراني باقر صالحي، الذي يعمل مع مؤسسة إعلامية أوروبية، يؤكد أن هذه الصور أصبحت جزءاً أساسياً من عمل غرف الأخبار. ومع ذلك، يحذر من المبالغة في استخدامها. ويقول: "من خلال الصور يمكننا رؤية المباني والمركبات والحطام المتضرر، لكن لا يمكننا تحديد هوية الأفراد أو التحقق من أعداد الضحايا". ولهذا السبب يرفض نشر أي تقديرات رقمية للضحايا اعتماداً على صور الأقمار الصناعية وحدها، مؤكداً أن مثل هذه الأرقام تحتاج إلى أدلة إضافية وشهادات ميدانية.
وتتطلب عملية التحقق هذه عملاً دقيقاً ومعقداً. فبعض الفرق الإعلامية خارج إيران تقوم بتسجيل القنوات التلفزيونية الرسمية على مدار الساعة، ثم تحليل اللقطات إطاراً بإطار بحثاً عن أي علامة بصرية يمكن أن تكشف موقع الحدث. قد تكون لافتة شارع أو شكل مبنى في الخلفية كافية لتحديد الموقع ومقارنته بصور الأقمار الصناعية لتأكيد ما حدث.
أما المواد المصورة التي تصل من داخل البلاد، فتخضع لإجراءات تقنية لضمان عدم التلاعب بها. يوضح صالحي أن فريقه يحتفظ بنسخة أصلية من كل ملف فور استلامه ويولد بصمة تشفير له لإثبات أنه لم يتغير. ثم تُضغط مقاطع الفيديو أو تُحوّل إلى صور ثابتة لتقليل حجمها، وتُرسل على أجزاء صغيرة لإعادة تجميعها خارج البلاد.
ورغم كل هذه الجهود، يبقى العمل تحت التعتيم مهمة شاقة وخطرة. فالاتصال في إيران انخفض إلى نسبة ضئيلة من مستواه الطبيعي، ما يجبر الصحفيين على تقليص رسائلهم إلى الحد الأدنى. وفي الوقت نفسه، تشدد القوانين الجديدة المتعلقة بالتجسس العقوبات إلى مستويات غير مسبوقة، بما في ذلك الإعدام في بعض الحالات.
في ظل هذه الظروف، يصبح العمل الصحفي أقرب إلى مغامرة يومية. فالصحفي الذي يحاول إرسال صورة أو خبر قد يعرّض نفسه لخطر الاعتقال، ومع ذلك يواصل كثيرون العمل لأن البديل هو الصمت الكامل. يقول خورشيدي إن أكبر مخاوفه اليوم هو أن يتم توقيف أحد أعضاء فريقه أثناء التنقل بين المدن لنقل معدات الاتصال. لكنه يضيف: "هذا ما يمكننا فعله للحفاظ على تدفق المعلومات".
هكذا تكشف تجربة الصحفيين في إيران أن الصراع لا يدور فقط في السماء بين الطائرات والصواريخ، بل يمتد أيضاً إلى الفضاء الرقمي. فكلما حاولت الدولة إحكام السيطرة على تدفق المعلومات، ظهرت وسائل جديدة لكسر العزلة. وبين التعتيم الرسمي ومحاولات الصحافة نقل ما يجري، تدور حرب أخرى موازية: حرب الروايات.
وفي هذه الحرب، لا يكون السؤال فقط عمّا حدث فعلاً، بل عمّن يملك القدرة على روايته. فحين تُطفأ الشبكة وتغلق النوافذ الرقمية، لا تختفي الحقيقة، لكنها تصبح أكثر صعوبة في الوصول… وأكثر كلفة في نقلها إلى العالم.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook