حروب النبوءات في مقابل موازين القوة والتكنولوجيا

حروب النبوءات في مقابل موازين القوة والتكنولوجيا

 

 

فاروق عيتاني - تكتسب تصريحات الأمير تركي الفيصل أهمية خاصة لا بسبب مضمونها فقط، بل بسبب موقع قائلها في البنية السياسية والأمنية السعودية. الفيصل قدّم تصوّراً وغير معتاد لطبيعة الصراع في الشرق الأوسط حيث أحاط المنطقة بثلاث أجندات كارثية، إسرائيلية وإيرانية وصهيونية مسيحية أميركية، وهي تعمل على فرض رؤاها وتوجيه الأحداث وفق مصالحها أو رؤيتها الأيديولوجيّة.

الرجل ليس معلقاً عابراً في الشأن الدولي، بل أحد الذين عاشوا طويلاً داخل مطبخ القرار، وتولّى إدارة ملفات حساسة في الاستخبارات والدبلوماسية. لهذا فإن كلماته، حين تصدر في الإعلام، تُقرأ غالباً بوصفها إشارات إلى نقاشات أعمق تدور داخل النخب الاستراتيجية في المملكة. ومن هنا تأتي دلالة حديثه عن «حروب النبوءات» في الشرق الأوسط، أي عن صراع تُغذّيه سرديات دينية كبرى تتجاوز المصالح المباشرة للدول.

غير أنّ النبوءات، في التاريخ السياسي، غالباً ما تؤدي وظيفة مختلفة عن تفسير الواقع. فهي أدوات فعّالة في التعبئة والتبرير أكثر مما هي أدوات تحليل. الخطاب الديني أو الأسطوري يمنح الحروب معنى أخلاقياً أو قدرياً، ويجعلها مفهومة ومقبولة لدى الجماهير، بل قابلة للاستمرار رغم كلفتها البشرية والمادية. لكن التجربة التاريخية تُظهر أن مسار الحروب ونتائجها لا تحدده النبوءات بل عناصر أخرى أكثر مادية: ميزان القوة، والتكنولوجيا، والتنظيم، والقدرة على تحويل المعرفة إلى قوة إنتاج وسيادة. فالدول لا تنتصر لأنها تؤمن بنبوءة، بل لأنها تمتلك أدوات القوة وتصرّ على امتلاكها سيادياً، أي بصناعتها وتطويرها لا بمجرد شرائها.

من هنا يصبح السؤال الحقيقي خارج عالم النبوءات. فالنصر وتحقيق الأهداف السياسية يتحددان في مكان آخر: في الجمع بين التكنولوجيا والسرعة والإرادة السياسية للاستقلال الصناعي. الدول التي تصنع سلاحها وتطوّر تقنيتها تملك زمام قرارها، بينما الدول التي تكتفي بالشراء تبقى أسيرة الموردين والتحالفات. هذه القاعدة البسيطة تفسر كثيراً من تحولات القوة في العالم المعاصر.

أما على مستوى النظام الدولي، فإن فكرة القطب الواحد لم تتحقق تاريخياً إلا كخطاب سياسي أكثر منها واقعاً مستقراً. حتى أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين لم تعرف قطباً واحداً، بل توازنات وصراعات قوى انتهت بحربين عالميتين. ثم جاء النصف الثاني من القرن نفسه ليكرّس ثنائية واضحة بين معسكرين متقابلين. وبعد سقوط جدار برلين بدا لبعض الوقت أن الولايات المتحدة أصبحت القوة الوحيدة المهيمنة. غير أن العقود الثلاثة اللاحقة كشفت حدود هذا التصور. فقد وجدت واشنطن نفسها تخوض صراعات متزامنة في القارة الأميركية وآسيا وأفريقيا، فيما كان التنين الصيني يصعد بسرعة هائلة في الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ الدولي. لذلك يصعب اليوم الحديث عن طريق مغلق نحو أحادية أميركية دائمة، أو عن نظام عالمي يدور حصراً في فلكها ومعها إسرائيل. لذا، العالم يتجه، مرة أخرى، نحو تعددية في مراكز القوة، حيث تحدد التكنولوجيا والاقتصاد والسيادة الصناعية موازين المستقبل أكثر مما تفعل النبوءات.