سقوط النظام في إيران: ضرورة إقليمية ودولية

سقوط النظام في إيران: ضرورة إقليمية ودولية

 

 

نبيل شحاده - في لحظة كان الشرق الأوسط يعيش على وقع مفاوضات حساسة بين واشنطن وطهران حول البرنامج النووي الإيراني، بدأت في مسقط قبل أن تنتقل إلى جنيف في محاولة لإعطائها زخماً دولياً، بدت المنطقة وكأنها تقف بين خيارين: تسوية دبلوماسية صعبة أو مواجهة عسكرية واسعة. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كان متفائلاً بإمكانية التوصل إلى حل عادل ومتوازن، فيما تحدثت مسقط عن تقدم في المحادثات قد يحول دون اندلاع الحرب. لكن الفجوة العميقة التي نشأت بين ما يطلبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبين رفض إيران لها بدّد الآمال، خصوصاً مع تصاعد التشكيك الأميركي في جدية طهران في مسار المفاوضات. ومع انهيار المسار الدبلوماسي، انتقلت الأزمة سريعاً من طاولة التفاوض إلى ميدان الحرب، التي اتسع نطاقها لاحقاً مع دخول عدد من الدول العربية في دائرة الاستهداف الإيراني، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول أهداف هذه الاستراتيجية ومعانيها السياسية.

القصف الإيراني للدول العربية بالصواريخ والمسيّرات الانتحارية لا يمكن قراءته كردّ عسكري مباشر على الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل هو ضغط إقليمي متعدد الطبقات. فطبيعة الأهداف التي استُهدفت تكشف أن طهران لا تسعى فقط إلى الرد على الضربات التي تلقتها، بل تريد نقل كلفة الحرب إلى البيئة الإقليمية المحيطة بخصومها. فالهجمات لم تقتصر على مواقع عسكرية بحتة، بل طالت مطارات دولية وفنادق ومرافئ وحقولاً ومنشآت طاقة ومسارات شحن، ووصولاً إلى محاولة اغلاق مضيق هرمز، وهو ما يجعل الرسالة الإيرانية أوسع بكثير من مجرد الرد العسكري.

الهدف السياسي الأول من هذه الضربات يتمثل في تعريض الدول العربية والخليجية التي ترتبط بعلاقات أمنية وعسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة للخطر الأمني والاقتصادي، ودفعها إلى ممارسة ضغط مباشر على واشنطن لوقف الحرب أو تقصير مدتها.

أما الهدف السياسي الثاني فيتعلق بحياد بعض الدول العربية والذي تعتبره طهران حياداً غير كافٍ. فوجود قواعد أميركية أو تسهيلات عسكرية على أراضي هذه الدول يجعلها في نظر إيران جزءاً من المنظومة التي تستهدفها، حتى لو أعلنت هذه الدول أنها لا تريد الانخراط المباشر في الحرب.

البعد الاقتصادي يحتل موقعاً مركزياً في الاستراتيجية الإيرانية. فإيران تدرك أن نقطة القوة الأساسية في الخليج ليست فقط في القواعد العسكرية الأميركية، بل في النفط والغاز والموانئ والمطارات وشبكات التجارة العالمية التي تمر عبر المنطقة، أضافة إلى صورتها كملاذ آمن، ونموذج حيوي للاستقرار والازدهار الاقتصادي. ولذلك فإن ضرب هذا البعد أو تهديد مكوناته يرفع كلفة الحرب بسرعة كبيرة على الدول العربية وعلى الاقتصاد العالمي أيضاً. فمجرد تهديد الملاحة العالمية في مضيق هرمز أو تعريض منشآت الطاقة للخطر كفيل بإرباك أسواق الطاقة وإحداث اضطرابات واسعة في التجارة الدولية وخطوط الامدادات.

 

لكن فهم السلوك الإيراني في هذه الحرب لا يكتمل من دون النظر إلى البعد الأعمق للصراع، وهو مسألة بقاء النظام في طهران، وهو نظام تستفزّه اية مشاريع إقليمية ويعتبرها خططاً لعزله.  فكيف إذا أصبح الكلام صريحاً وواضحاً عن إسقاطه وفتح الطريق أمام ظهور سلطة جديدة في طهران أكثر انسجاماً مع التوازنات الإقليمية والدولية التي تسعى واشنطن إلى تثبيتها في الشرق الأوسط، كما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن أي اتفاق مع طهران لن يكون ممكناً إلا من خلال استسلام غير مشروط.

 

القيادة الإيرانية تيقنت من التحول في طبيعة أهداف الحرب، وأن الصراع لم يعد يدور حول برنامج نووي أو صواريخ باليستية فحسب، بل حول مستقبل النظام في طهران، الذي أصبح رده الطبيعي هو توسيع دائرة المواجهة، وتهديد الخصوم بأن محاولة إسقاط هذا النظام لن تكون عملية سهلة ومحدودة أو نظيفة، بل ستشكل زلزالاً إقليمياً واسعا يمسّ استقرار الطاقة والتجارة والأمن في الشرق الأوسط بأكمله.

 

وفي هذا السياق يمكن تصور عدة مسارات محتملة لمستقبل النظام الإيراني في ظل هذه الحرب. أول هذه المسارات هو استمرار الضربات العسكرية ضمن مراحل مفتوحة وطويلة، بما يؤدي إلى استنزاف القيادة الإيرانية وإضعاف قدرتها إلى حد انهيار السلطة بكاملها وإعلان الموافقة على الاستسلام.

المسار الثاني يتمثل في احتمال حدوث انقسام داخل النخبة الحاكمة نفسها تحت ضغط الحرب والخسائر العسكرية، وظهور أصوات داخل النظام ترى أن استمرار المواجهة يهدد بقاء الدولة نفسها، ما قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب السلطة من داخل النظام بدلاً من انهياره الكامل، وبكل اسف، هذا الخيار يبقى نظرياً، وصعب المنال حتى الآن.

أما المسار الثالث فيتمثل في دعم اندلاع اضطرابات داخلية واسعة، ودعم حركات تحرر قومية. ولكن هذا السيناريو غير مريح لدول الجوار التي تشدد دائماً على ضرورة المحافظة على التماسك الداخلي في إيران لمنع انفلات الأوضاع وانتشار الفوضى داخليا وفي المحيط.

ويبقى المسار الرابع، وهو الأكثر خطورة على المنطقة، احتمال فشل مشروع إسقاط النظام وتحول الحرب إلى صراع طويل مع نظام إيراني جريح أكثر تشدداً، وهذا يستوجب عملاً بريّا، من قبل التحالف الأميركي الإسرائيلي، وربما تنضم له دول أخرى، وهذا يعني فعلياً الذهاب إلى المجهول.

 

الحرب المتواصلة لم تعد مجرد صراع حول برنامج نووي أو حدود نفوذ، بل أصبحت مواجهة مفتوحة مع طبيعة النظام الإيراني نفسه.  فالسلوك الذي يقوم على استهداف الدول العربية وتهديد الممرات الحيوية للطاقة والتجارة كشف أن المشكلة بنيوية وتتعلق بطبيعة النظام الذي يحكم في طهران، وطريقة إدارة علاقاته مع محيطه. المنطقة لا يمكن أن تبقى أسيرة دورات متكررة من التوتر والحروب، وانتقال إيران إلى نظام سياسي جديد هو أمر حتمي. نظام يتعايش مع جيرانه وفق قواعد السلوك السياسي والدبلوماسي التي تحترم الحدود وسيادة الدول ويعيد دمج إيران في محيطها الإقليمي والعالمي كدولة طبيعية لا كمصدر دائم للأزمات.