مجتبى خامنئي: خطاب التناقضات ومشروع المواجهة المستمرة
نستراك - الكلمة التي نشرها الإعلام الإيراني للمرشد الجديد مجتبى خامنئي بعد توليه موقع القيادة لا يمكن قراءته بوصفه مجرد خطاب تعبوي عابر، بل هو وثيقة سياسية – أيديولوجية تكشف بوضوح عن ملامح المشروع الذي يسعى إلى تثبيته في إيران وفي الإقليم. فالكلمات المختارة بعناية ترسم تصوراً متكاملاً لطبيعة النظام، ومصادر شرعيته، ودوره في المنطقة، كما تكشف في الوقت نفسه عن تناقضات واضحة بين الخطاب المعلن والسلوك السياسي والعسكري لإيران خلال السنوات الأخيرة، وخصوصاً في الحرب الجارية وما رافقها من اعتداءات على دول الخليج وعلى بعض جيرانها.
أول ما يلفت الانتباه في النص هو محاولة ترسيخ شرعية القيادة الجديدة من خلال الاستناد إلى الإرث الثوري والديني معاً. فمجتبى خامنئي يقدّم نفسه بوصفه امتداداً لخط الإمام الخميني ووالده علي خامنئي، ويعمد إلى بناء صورة قيادية تقوم على فكرة "الوراثة الجهادية" أو الاستمرارية التاريخية للثورة. الخطاب هنا يربط القيادة مباشرة بفكرة التضحية والشهادة والجهاد الطويل، بما يحولها إلى مقام شبه مقدّس يصعب الاعتراض عليه. هذا النمط من الشرعية لا يقوم على عقد سياسي بين الدولة والمجتمع، بل على مفهوم ديني ثوري يرى في القيادة تجسيداً لمسار تاريخي إلهي، وهو ما يعزز طبيعة النظام العقائدية ويضعف أي تصور لدولة مدنية أو سياسية طبيعية.
العنصر الثاني في الفكر الذي يقدمه الخطاب هو تحويل الشعب إلى أداة تعبئة دائمة داخل مشروع الثورة. فهو يكرر فكرة "إدخال الشعب في جميع الميادين"، ويشدد على حضور الجماهير في الحرب والسياسة والمجتمع وحتى في المجال الأمني. ظاهرياً يبدو ذلك خطاباً شعبوياً يرفع من شأن الجماهير، لكنه في الحقيقة يعكس نموذج "الدولة التعبوية" التي تحشد المجتمع باستمرار في صراع دائم مع الخارج. هذا المفهوم قريب من نماذج الأنظمة الثورية التي تجعل المجتمع في حالة تعبئة مستمرة وتربط شرعية السلطة بالحرب والصراع وليس بالازدهار والاستقرار.
أما الركيزة الثالثة في الخطاب فهي إعادة تثبيت مفهوم "العدو الوجودي". فالخطاب لا يتحدث عن خلاف سياسي مع خصوم إقليميين أو دوليين، بل عن مواجهة كبرى مع ما يسميه "جبهة الاستكبار". هذا المصطلح، الذي شكّل جزءاً أساسياً من خطاب الثورة الإيرانية منذ 1979، يعاد إحياؤه هنا ليبرر استمرار الصراع المفتوح. ضمن هذا التصور لا يمكن تصور تسوية سياسية مستقرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو حتى بعض القوى الإقليمية، لأن الصراع يوصف بوصفه صراعاً عقائدياً بين جبهتين: جبهة الحق وجبهة الكفر.
وتتضح أكثر ملامح المشروع الإقليمي في حديثه عن "جبهة المقاومة". فإيران في هذا الخطاب لا تُعرَّف كدولة قومية تبحث عن مصالحها الوطنية فحسب، بل كقائد لمحور عابر للحدود يمتد من اليمن إلى لبنان مروراً بالعراق وغزة. هذا التصور يضع إيران في موقع قيادة حركة إقليمية مسلحة تتجاوز حدود الدول، وهو ما يفسر استمرار دعمها للفصائل المسلحة في عدد من الدول العربية. وبذلك تتحول السياسة الخارجية الإيرانية من سياسة دولة تقليدية إلى سياسة مشروع أيديولوجي إقليمي.
ومن أكثر المقاطع وضوحاً في تحديد هذا التوجه ما يتعلق باستخدام أوراق الضغط الاستراتيجية، مثل التلويح بإغلاق مضيق هرمز وفتح جبهات جديدة ضد الخصوم. هنا يظهر أن القيادة الجديدة لا تسعى إلى خفض التصعيد بل إلى توسيع أدوات الردع الإقليمي، حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار الاقتصادي العالمي أو أمن الملاحة الدولية. وهذا يعكس فلسفة سياسية ترى في التصعيد وسيلة لإدارة الصراع وليس خطراً يجب تجنبه.
لكن الخطاب يتضمن في الوقت نفسه سلسلة من التناقضات الواضحة مع السلوك الإيراني الفعلي في المنطقة. فهو يتحدث عن عدم السعي إلى الهيمنة أو الاستعمار في المنطقة، بينما ترتبط إيران عملياً بشبكة واسعة من الفصائل المسلحة خارج حدودها، وتؤدي دوراً مباشراً في صراعات عدة دول عربية. كما يؤكد حرصه على علاقات ودية مع الجيران، لكنه في الفقرة نفسها يهدد باستهداف قواعد عسكرية داخل أراضي بعض الدول إذا استخدمت ضد إيران، وهو ما يعني عملياً إمكانية ضرب تلك الدول نفسها.
ويتجلى التناقض الأكبر في الجمع بين خطاب "الصداقة مع الجيران" وبين سياسة الضغط العسكري التي تشمل ضرب منشآت أو أهداف داخل بعض الدول أو تهديد ممرات الطاقة العالمية. فالدول الخليجية، على سبيل المثال، ترى في الهجمات على منشآت النفط أو الملاحة تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي، بينما تصفها طهران في خطابها الرسمي بأنها مجرد ردود على الوجود العسكري الأميركي.
كما يظهر تناقض آخر بين دعوة الخطاب إلى الوحدة الإسلامية وبين توظيفه الصريح لفكرة "جبهة المقاومة" ذات الطابع الأيديولوجي المرتبط بالمشروع الإيراني. فبدلاً من بناء منظومة إقليمية قائمة على التعاون بين الدول، يجري ترسيخ تحالفات عسكرية موازية للدول نفسها، وهو ما يثير قلق العديد من الحكومات في المنطقة، بما في ذلك تركيا وأذربيجان ودول الخليج.
ومن الناحية الفكرية، يعكس الخطاب استمراراً واضحاً لنموذج "الدولة الثورية الدائمة". هذا النموذج يقوم على ثلاثة عناصر أساسية: قيادة دينية ذات شرعية تاريخية، مجتمع مُعبَّأ في صراع مستمر، وشبكة إقليمية من الحلفاء العقائديين. وهو نموذج يجعل الاستقرار الإقليمي أمراً ثانوياً أمام هدف أوسع يتمثل في حماية الثورة وتوسيع نفوذها.
وبذلك يمكن القول إن مجتبى خامنئي لا يقدم مشروعاً جديداً مختلفاً عن إرث الثورة الإيرانية، بل يسعى إلى تثبيت هذا الإرث وإعادة إنتاجه في مرحلة أكثر تصادمية. فإيران التي يرسمها خطابه ليست دولة تسعى إلى الاندماج في النظام الإقليمي، بل مركز مشروع أيديولوجي يعتبر الصراع مع خصومه جزءاً من هويته السياسية.
ولهذا فإن التناقض الأساسي في الخطاب يتمثل في الجمع بين لغة الصداقة والتعاون مع الجيران من جهة، وبين خطاب المقاومة والتوسع الجيوسياسي من جهة أخرى. فالدولة التي تعلن رفض الهيمنة في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تقود محوراً عسكرياً عابراً للحدود وتلوّح بإغلاق أهم ممرات الطاقة العالمية، تجد نفسها عملياً في موقع الفاعل الأكثر تأثيراً في زعزعة توازنات المنطقة.
والخلاصة أن الخطاب يكشف عن استمرار المشروع الإيراني بصيغته الثورية التقليدية: قيادة دينية، تعبئة شعبية، صراع مفتوح مع الغرب، وشبكة نفوذ إقليمية. أما التناقض الأكبر فيه فيكمن في أنه يدعو إلى علاقات ودية مع الجيران بينما يقوم مشروعه السياسي أساساً على توسيع الصراع خارج حدود إيران

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook