أوروبا ترفض المشاركة في فاتورة الحرب الأميركية على إيران
نبيل شحاده - شكّلت الأزمات الكبرى ولا سيما الحروب عبر التاريخ محطات حاسمة تكشف حدود التحالفات ومتانتها، ومدى قدرتها على تجاوز التباينات في وجهات النظر وتنسيق المصالح المتعارضة. وفي هذا السياق جاءت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من دعوة صريحة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لحلفائه الأوروبيين للانخراط في حماية الملاحة في مضيق هرمز، لتضع أوروبا أمام اختبار دقيق؛ هل تذهب مع الحليف التاريخي في معركة يعتبرها مصيرية، أم تعيد حساباتها وفق ميزان مختلف تحكمه الجغرافيا والاقتصاد والعلاقات والقانون الدولي؟
الجواب من القارة الأوروبية جاء حذراً مع تباين واضح في مواقف دولها، لكنها اجتمعت على عدم الرغبة في الانزلاق إلى حرب شاملة مع التشديد على خفض التصعيد والتمسك بالشرعية الدولية. هذه المواقف رغم بساطتها الظاهرية، تعكس شبكة معقدة من الحسابات الاستراتيجية التي تعكس تحولات عميقة في بنية العلاقة بين ضفتي المحيط الأطلسي، لا سيما وأنها خضعت سابقاً لامتحانات مشابهة في مواضيع جزيرة غرينلاند، والتعريفات الجمركية والسيادة الرقمية والحرب الروسية الأوكرانية.
عند التدقيق في المواقف الأوروبية، يُمكن تمييز ثلاث مسارات. برزت إسبانيا في موقع معارض ومتشدّد، ورفض رئيس وزرائها "بيدرو سانشيز" استخدام القواعد العسكرية لشن ضربات ضد إيران، معتبراً "الحرب تدخلا غير مبرر وينتهك القانون الدولي". بريطانيا وألمانيا تبنتا موقفاً دفاعياً حذراً مع رفض صريح للمشاركة المباشرة في الضربات الهجومية. بريطانيا سمحت باستخدام قواعدها لأغراض "دفاعية محدودة" فقط، بينما أكدت ألمانيا أن الناتو حلف دفاعي وليس حلف تدخل وهجوم. أما فرنسا، فقد حذّرت من أن العمليات العسكرية هي خارج القانون الدولي وقد تقوّض الاستقرار العالمي، وأعرب الرئيس إيمانويل ماكرون عن استعداد بلاده لتحمل المسؤولية مع الدول الأخرى ومرافقة السفن في مضيق هرمز في حال انتهى الصراع في المنطقة وهدأت الأوضاع.
أما موقف الاتحاد الأوروبي فجاء منسجماً من بروكسل مع وجهة نظر تقول إنّ تجاوز الشرعية الدولية يفتح الباب أمام فوضى يصعب ضبطها، ولخصت الخروج من هذا المأزق مسؤولة السياسة الخارجية "كاجا كالاس" بقولها: "هذه ليست حرب أوروبا".
وقبل التعمّق في خلفيات القرار الأوروبي، يبرز سؤال أساسي عن أهداف الرئيس دونالد ترامب من وراء طلبه من سبعة دول أوروبية وآسيوية المشاركة في مهمة فتح مضيق هرمز وتأمين عبور السفن التجارية. أهداف يُمكن تلخيصها في عاملين وهما:
أولاً: ترى واشنطن أن أوروبا إلى جانب دول آسيا هي مستفيد كبير من النفط الذي يمر بهرمز، وبالتالي عليها أن تحمي مصالحها بدلاً من الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية.
ثانياً: تسعى واشنطن لتحويل العملية القائمة الآن من "هجوم أمريكي وإسرائيلي" إلى "تحالف دولي" يوجه رسالة وحدة استراتيجية قد تجبر إيران على التراجع عن تهديداتها بإغلاق الممر الملاحي.
وعند التعمق في خلفيات امتناع أوروبا عن المشاركة في الحرب ضد إيران نرى أن الأمر ليس عابراً، بل جاء نتيجة اعتبارات متعددة تحكم الخوف من الانزلاق إلى أزمة عالمية أو مواجهة دولية واسعة النطاق.
من تلك الاعتبارات أن أوروبا تتذرع بحاجتها إلى قرار أو تفويض أممي واضح قبل الإقدام على المشاركة في أي عمل عسكري. كما تتخوّف من توسّع الحرب لتصبح متعددة الجبهات وتمتد من الخليج إلى شرق المتوسط وربما تصل إلى عقر دار أوروبا، سواء عبر موجات لجوء جديدة أو عبر اضطرابات تطال أمنها واستقرارها. أوروبا لا تزال تملك حساسية سياسية وشعبية تجاه أي مغامرة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط لا سيما إذا كانت بقيادة الولايات المتحدة. هذا العامل، رغم عدم إعلانه بشكل مباشر، إلا أنه يلعب دوراً حاسماً في رسم حدود القرار الأوروبي.
وهنا يبرز عامل آخر يتمثّل في أن أوروبا كانت من أبرز مهندسي الاتفاق النووي مع إيران، ولا تزال ترى في الدبلوماسية والتفاوض خياراً يُمكن الاستناد عليه والعمل لأجله.
يرى بعض المراقبين أن أوروبا تريد السير نحو استقلال استراتيجي فعلي عن الولايات المتحدة، وأن تتميّز بمصالحها عن مصالح واشنطن، وخاصة في ملفات الشرق الأوسط ذات التعقيد الكبير والحساسية العالية. لكن هناك مَن يُشكّك بهذه النزعة الاستقلالية ويصفها بأنها محدودة بسبب اعتماد أوروبا المستمر على الذراع العسكرية الأميركية، سواء عبر حلف الناتو أو من خلال القدرات العسكرية الأميركية المباشرة.
أما عن الجانب الأميركي، فكيف ستكون ردة الفعل على الموقف الأوروبي؟ حيث الانتقادات العلنية التي ساقها الرئيس ترامب واصفاً الأوروبيين بأنهم خذلوا الإدارة الأميركية، كشفت عن مستوى جديد من التوتر السياسي. توتر يُمكن ترجمته لاحقاً في تصاعد الضغوط الأميركية في ملفات تجارية، أو قد يصل الأمر إلى طرح مسألة تقاسم الأعباء داخل حلف الناتو، وهو طرح مرشّح للتحول إلى خطة شبه إلزامية، وسيضع القارة الأوروبية أمام تحديات غير مسبوقة، ويأتي في مقدمتها تآكل الثقة المتبادلة، ثم التحول إلى "ناتو مرن" يعيد تعريف طبيعته ووظيفته، حيث تتباين مستويات الالتزام بين الدول الأعضاء، وفقاً لمصالحها الوطنية، بدلاً من الالتزام الجماعي الصارم.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook