الحرب المستدامة على عرب آسيا
فاروق عيتاني - لا تُقرأ زيارة فولوديمير زيلينسكي إلى دول الخليج بوصفها جولة دعم عابرة، بل كإشارة غير معلنة إلى طبيعة الحرب المقبلة: حرب طويلة، مدارة، لا تحسم بضربة قاضية. ما يعرَض ضمنا ليس سلاحا فقط، بل خبرة في التكيف مع نزاع ممتد، حيث يتحول الزمن نفسه إلى ساحة قتال. بهذا المعنى، فإن الرسالة الأهم ليست ما قيل، بل ما أُخفي: الاستعداد لمرحلة يقاس فيها الثبات بقدرة الأنظمة على الاحتمال لا على الحسم.
وإذا كان مصدر التهديد في الخليج وشبه الجزيرة العربية يتمثل في إيران وأدواتها، فإن القسم الشمالي من عرب آسيا (الهلال الخصيب، هلال يعرب) يواجه عدوا آخر بخصائص متطابقة في الجوهر، هو إسرائيل: احتلال أرض، وتهجير سكان، وحرب مفتوحة منذ حرب 1948. غير أن التحوّل الأبرز وقع بعد غزو العراق 2003، حين دخلت إيران شريكا مضاربا في ساحة الصراع، لا تابعا، فصار التنافس على إدارة الفوضى لا على إنهائها.
هذا التعقيد لم تستوعبه دول شبه جزيرة العرب (عرب جنوبي غربي آسيا) بالقدر الكافي، فبقيت تقرأ التهديدات متفرقة، بينما هي في الواقع شبكة واحدة بأدوات متعددة.
في هذا السياق، في هلال يعرب، تكتسب المظاهرات في سوريا المؤيدة لفلسطين معنى يتجاوز التضامن: إنها محاولة لاستعادة المبادرة الشعبية في شمال غرب عرب آسيا، بعد نجاح الشام في صد التمدد الإيراني. هنا تتحول الشام إلى عنصر رفع إقليمي: دعم للأردن، واستعادة توازن مع العراق ولبنان، وتثبيت لفلسطين. ويضاف إلى ذلك بعد اقتصادي– استراتيجي، يتمثل في إعادة فتح مسارات الطاقة، من تدفق النفط العراقي عبر سوريا كما كان سابقا وصولا إلى إمكان إحياء خط التابلاين بوصفه ربطا جغرافيا يعيد وصل ما فصل سياسيا.
أمام هذا التحول، لا يجوز لدول الخليج، وفي طليعتها المملكة العربية السعودية، أن تتأخر عن مواكبة هذا المسار. فثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري يجعلها عنصر الحسم في تحويل هذا التوجه من حالة إلى نظام. التأخر هنا ليس حيادا، بل خسارة لموقع طبيعي تمليه الجغرافيا قبل السياسة.
أما لبناننا الرسمي، فعليه إعادة حساباته. لم تعد مصر، منذ حرب 1967، قادرة على لعب دور الحسم في غرب آسيا، ووساطتها مع إسرائيل أعجز من أن تنفع غزة، فكيف بلبنان.
تكشف الوقائع الراهنة الحاجة إلى إحياء منطق "الهلال الخصيب" بوصفه إطار تلازم جغرافي–سياسي بين سوريا والعراق ولبنان والأردن، على أن يتصل مباشرة بدول شبه الجزيرة العربية. فالحرب المستدامة لا تواجه إلا بحل مستدام، قاعدته وحدة المجال، ووحدة العدو، ووحدة المصير.
ليست هذه قراءة للحظة، بل رسم لاتجاه تفرضه الجغرافيا قبل السياسة. في غرب آسيا، حيث تتقاطع مصالح القارات وتشتبك خطوط الطاقة والهوية، لا مكان لحلول نهائية، بل لتوازنات قابلة للحياة. الخيار لم يعد بين حرب وسلم، بل بين فوضى مفتوحة ومجال مترابط يصعب كسره. وما بينهما، يتحدد موقع العرب: إما أطرافا في صراعات الآخرين، أو كتلة تعيد تعريف نفسها بوحدة المجال ووحدة المصلحة.
وفي موازاة هذا الاشتباك الأرضي، يتشكل بعد آخر للحرب لا يقل تأثيرا: الفضاء. فإطلاق فرغاني في تركيا قمرا صناعيا تجريبيا جديدا، بدفع من رؤية سلجوق بيرقدار، لا يقرأ كإنجاز تقني فحسب، بل كجزء من بناء سيادة فوق أرض تتنازعها القوى. هنا تنتقل إدارة الصراع من الحدود إلى المدارات: اتصالات مؤمنة، ملاحة مستقلة، ومعالجة فورية للمعطيات. بهذا المعنى، لا تعود الحرب المستدامة شأنا بريا فقط، بل تصبح منظومة متكاملة تدار من الأعلى بقدر ما تخاض في الأسفل. ومن لا يربط جغرافيته بتقنيته، سيجد نفسه داخل مجال منظم بغير إرادته، مهما أحسن ترتيب أرضه.
وهذا ما على المملكة السعودية بوصفها قلب العالم العربي ومحل نظر العالم الإسلامي والمعنية مباشرة بعرب غربي آسيا الا تستبعد هذا البعد وأرجّح انها لا تستبعده اصلا.
إن فكرة وحدة سلطة سياسية عربية من المحيط الى الخليج لم تتحقق تاريخيا الا لبضع عقود في العهد الأموي. لكنها كانت وتبقى وحدة لغة وهوية.
لذا فالمشرق العربي أو عرب آسيا بقسميهم الشمالي (الهلال الخصيب) والجنوبي (شبه جزيرة العرب) وهما المستهدفان عمليا بالخطر الاسرائيلي والمسؤولان عمليا عن متابعة فلسطين، عليهم تدبر صيغة تعاون بمركزيتي المملكة العربية السعودية وسوريا ومع مشاركة بقية دول عرب غربي آسيا.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook