عدو عدوي "ليس صديقي"
محمد سلام - من الهند أطلق الفيلسوف كوتيليا معادلة "عدو عدوي صديقي" في القرن الرابع قبل الميلاد لإدارة الدولة والدفاع عنها عبر إكتساب حلفاء لا تجمعهم بها صداقة وثقة، بل فقط مصلحة عداواتهم لإعدائها أو عداواتها لأعدائهم، فغزت العالم بصفتها قاعدة علمِ إجتماعٍ سياسي-إستراتيجي يدير الحروب والتحالفات لتسقط بعد 2،400 سنة على أرض لبنان فتتربع على عرشها معادلة تفتقر إلى فيلسوفٍ منظرٍ لكن الدمار الذي تتسبب به حروبها على أرض غيرها يجعلها تصدح بصمتٍ صاخبٍ "عدو عدوي ليس صديقي".
بالنسبة لغالبية اللبنانيين نشهد حربا في وطننا بين عدوين يحتلان أرضنا وسماءنا وبحرنا، العدو الصهيوني والعدو الصفوي، ويدفع الوطنيون اللبنانيون ثمن هذا الصراع دماً ودماراً وتهجيراً من دون أن يكونوا طرفاً فيه أو حكماً.
ويسألونك، بوقاحة موصوفة، ماذا سيكون موقفك إذا وصل العدو الصهيوني إلى منطقتك؟؟؟
حتماً لن نرش الأرز على الغزاة ترحيباً بهم كما فعل بعض الجنوبيين أثناء إجتياح العام 1982 ترحيباً بقوات وزير الدفاع الإسرائيلي آريل شارون الذي "حررهم" من قوات منظمة التحرير الفلسطنية والحركة الوطنية اللبنانية، وكانت تعرف ب "القوات المشتركة اللبنانية الفلسطينية."
ولن نحارب الإسرائيليين حتى لو إحتلوا بيروت لعلمنا أن سحبهم يتم بإتصال هاتفي بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترامب طالبا سحب الإسرائيليين، وهو ما حصل في العام 1982.
في ذلك الوقت كلّف جلالة الملك فهد ممثله الشخصي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز آل سعود إبلاغ الرئيس الأميركي رونالد ريغان "فوراً" أن صاحب الجلالة يريد إنسحاب إسرائيل من بيروت "فوراً".
إتصل الأمير بندر بالبيت الأبيض وكان الوقت قد قارب منتصف الليل وطلب إجتماعاً فورياً مع ريغان، وهو ما حصل، وأبلغه برسالة العاهل السعودي.
إتصل الرئيس ريغان برئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن وقال له بالحرف "أخرجوا من بيروت الآن" ” Get out of Beirut Now”
كانت بيروت أول عاصمة عربية تقع تحت الإحتلال الإسرائيلي ما يهدد بتوتير عالمي في زمن كان الإتحاد السوفياتي قائداً لحلف وارسو المعادي لحلف شمالي الأطلسي وكانت الصين حليفة له وكان المد اليساري والقومي منتشراً بين الشعوب العربية ما يحرج الأنظمة بإستثناء سوريا-الأسد .
صباح اليوم التالي، وكان يوم الأربعاء في 29 أيلول العام 1982 إستفقنا على مكبرات صوت تبث التالي: "جيش الدفاع الإسرائيلي سينسحب فلا تطلقوا النار عليه."
فرِحنا، رقصنا في الشوارع وإقتنعنا، من دون أن يقنعنا أحد، أن مقاومتنا المعروفة ب "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول)" قد طردت إسرائيل من بيروت، وما زال البعض على يقينه هذا حتى اليوم.
والبعض الآخر من الحزب السوري القومي الإجتماعي كان يفاخر بأن الإنسحاب فرضته عملية مقهى الويمبي التي نفذها عضو الحزب خالد عليوان وثلاثة من رفاقه قبل خمسة أيام، وتحديداً في 24 أيلول عندما أطلقوا النار على مجموعة من الجنود الإسرائيليين في مقهى الرصيف ذلك بشارع الحمراء وتواروا من دون أن يتمكن جيش العدو من إلقاء القبض عليهم.
وما زال البعض يحتفل بذكرى ذلك "الإنتصار" حتى يومنا هذا مع أنه لم يكن إنتصاراً إلا للملك فهد والأمير بندر.
هكذا هي عناوين الإنتصارات في لبنان التي إستهدفت أساساً المثقفين الشيعة الذين كانوا يشكلون نسبة لا تقل عن 40 بالمائة والذين يُزعم أن "حزب الله" تولّى تصفيتهم ليفتح الباب أمام تطويع الشيعة تحت مظلة الولي الفقيه آية الله الموسوي الخميني، بدءاً بالشيخ-المثقف-المنظّر حسين مروّة صاحب الشعار الشهير "ولدت شيخاً وسأموت طفلاً".
في 7 شباط العام 1987 كانت حرب الشوارع مشتعلة في بيروت بين تنظيمات مسلحة عندما قرع شخصان ملتحيان باب منزل الشيخ مروّة إبن ال 77 عاماً في منطقة الرملة البيضاء ببيروت وطلبا رؤية "أبو نزار" لإستشارته في أمرٍ مهمٍ زاعمان أنهما من أتباعه.
أدخلتهما زوجته إلى غرفته وكان مريضاً مستلقياً في سريره لعجزه عن الوقوف، أوقفاه بالإكراه، أخرج أحدهما مسدساً مزوداً بكاتم للصوت، أطلق عليه النار في رأسه ورمى جثته إلى زوجته مع عبارة "إستلقّي" التي تنم بلؤم عن الشماتة وتقارب عبارة "خلصنا منو".
كان الشيخ، المولود في العام 1910 في بلدة حدّاثا الجنوبية بجبل عامل المنافس الأول لخطة تجنيد حزب الله للشيعة في حزبهم.
نشأ حسين مروّة في بيت والده رجل دين محترم، وكان يحلم بأن يكون مثله يرتدي العمامة ويخطب في المؤمنين. هكذا ولد شيخاً حسب شعاره.
وبالعودة إلى السؤال، كيف ستتم مواجهة الحزب الصفوي إذا حاول السيطرة على بيروت مجدداً؟
الحزب كان قد إحتل بيروت في 7 أيار العام 2008 بناء على أمر أمينه العام إذ ذاك حسن نصر الله وفق جملة (كلمة) السر "السلاح دفاعاً عن السلاح."
إنهزم "تيار المستقبل" في أقل من 10 ساعات أمام جحافل حزب نصر الله بالتزامن مع إنسحاب الجيش اللبناني من الشق الغربي من العاصمة. وبقيت مجموعات قليلة معزولة من منتسبي "المستقبل" تواجه الإجتياح الذي وصفه نصر الله ب "يوم مجيد" وقال عنه نعيم قاسم أنه"جراحة بالمنظار" في محاولة للإيحاء بأنه كان عملية دقيقة لا تتضمن أي مخالفات، وهو ما نفته الأرض التي إقتحم بلطجية الأزقة منازل سكّانها، وقتلوا الذين حاولوا الهروب من العاصمة، ومن بينهم المحامي الدكتور هيثم طبارة ووالدتة السيدة أمل بيضون طبارة التي نهبوا مجوهراتها بعد القضاء عليها بمنطقة رأس النبع في تصرف لا يرتقي بأي شكل إلى طاعة الله والإنتساب إليه ما دفعني في ذلك اليوم الحزين إلى تسمية ذلك التنظيم ب "حزب السلاح".
ويقال، والعهدة على الراوي، أن الإدعاء الذي أقامه شقيق الوالدة المغدورة لدى النيابة العامة قد "فُقد."
وبالعودة إلى السؤال: ماذا سيحصل إذا حاول "حزب السلاح" تطويع بيروت مجدداً، علماً بأنها مُطوّعة منذ غزوة العام 2008 سيئة الصيت؟
الإعتقاد السائد أن الصهيوني لن يسمح للصفوي بأن يستعيد سطوته على العاصمة وسيطرته على مرفأ بيروت عبر الإمساك بما كان يُعد ليكون "مركز إيواء" بمنطقة الكرنتينا التي تسيطر على مدخل مرفأ بيروت وتتحكم بالقطاع الشرقي من العاصمة، ما إستدعى إعتراضاً شديداً من نواب بيروت الشرقية ذات الأغلبية المسيحية، فوعد رئيس الحكومة نواف سلام بإستخدامه فقط لتخزين ما يتلقاه لبنان من مساعدات للنازحين.
ومع ذلك تبقى غالبية النفوس مُستفزّة ومُجهّزة لوقف إستعادة حزب السلاح لسيطرته على العاصمة بيروت، علماً بأنها المرّة الأولى التي تتوحد فيها الغالبية العظمى من المكونات اللبنانية ضد المكون "المتأيرن" بعدما كانت جميع حروب لبنان الأهلية السابقة بين مسيحيين ومسلمين.
ويبقى أن عدو عدوي ليس، ولن يكون، صديقي ...

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook