مأزق التفاوض في لبنان: ضعف الدولة ونقص السيادة
نبيل شحاده - أعاد الرئيس جوزاف عون من بكركي صبيحة عيد الفصح التأكيد بأن "التفاوض ليس تنازلاً والدبلوماسية ليست استسلاماً"، في محاولة جدية وواضحة لوضع مبادرته للتفاوض المباشر مع إسرائيل على الطاولة مجدداً باعتبارها حلاً سياسياً وسط حرب مدمّرة تتسع وتتعقّد حساباتها.
لكن قبل الحديث عن جدوى التفاوض من حيث المبدأ، يبرز سؤال مهم عن إمكانية قيام هذا التفاوض أصلا، وهل يمتلك لبنان، في وضعه الراهن، مقوّمات الدولة القادرة على أن تكون طرفاً تفاوضياً فعلياً؟
التفاوض بين الدول هو عملية ديبلوماسية سلمية لحل النزاعات، ولكن في أساسها تستند إلى مجموعة شروط واضحة يمتلكها طرفا المفاوضات: قرار سيادي موحّد، واحتكار القوة، وقدرة حقيقية على تنفيذ الالتزامات. وبالنظر إلى هذه الشروط نجد أن لبنان يفتقدها كلها، اليوم. فالحرب الأخيرة التي أشعلها حزب الله في الثاني من أذار /مارس الماضي أظهرت مجدداً أن الدولة ليست صاحبة القرار الكامل في السلم والحرب، وأن هذا القرار ما زال مرتبطاً صورياً بمؤسسات رسمية، بينما يرتبط فعليا بحزب الله، الذي حظر مجلس الوزراء جميع أنشطته العسكرية والأمنية واعتبرها ممارسات خارجة عن القانون.
مبادرة عون هي أقرب إلى محاولة سياسية لكبح الانحدار، لا إلى مشروع تفاوض تكتمل فيه الشروط. فالرئيس يدرك أن استمرار الحرب لا يهدد فقط جنوب لبنان، بل ينذر بإعادة تشكيله أمنياً وجغرافياً وقد يطول أمد الاحتلال، وفترة النزوح. والتصريحات الإسرائيلية الأخيرة حول إقامة "منطقة أمنية وعازلة" تصل إلى نهر الليطاني، ومنع عودة السكان إلى قراهم، تعكس توجهاً راسخاً لفرض وقائع ميدانية تتجاوز الضغط العسكري إلى إعادة مسار يرسم قواعد الاشتباك بما يضمن أمن المستوطنات الإسرائيلية.
والمواجهة التي تحصل الآن ويدفع اللبنانيون أثمانها من حياتهم وأملاكهم واستقرارهم، ليست نتيجة قرار حكومي لبناني تتحمل الدولة فيه المسؤولية الكاملة، بل جاء في سياق إقليمي أوسع، تورّط به لبنان، وتأكد من خلال مجرياته ارتباط حزب الله بالنظام الإيراني ومشاريعه ومصالحه، مظهراً هشاشة موقع الدولة بكل مؤسساتها ومكوناتها داخل معادلة القرار الاستراتيجي. هذا الوضع، يطرح إشكالية جوهرية: كيف يمكن لدولة أن تفاوض على إنهاء حرب لم تتخذ هي قرار الدخول فيها؟ والأهم، كيف يمكن للطرف الآخر وهو "إسرائيل" المدعومة سياسيا وعسكريا من الولايات المتحدة أن تثق بقدرة الدولة اللبنانية على الالتزام بأي اتفاق، في ظل غياب ملموس لاحتكار فعلي للسلاح؟
في المقابل، لم يلق اقتراح عون سابقاً اهتماماً يُذكر من قبل المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين – حسب وكالة رويترز – ورأت تل أبيب أن عجز لبنان عن كبح جماح حزب الله، وفشله في منع الهجوم الصاروخي للحزب الشهر الماضي، ترك الدولة اللبنانية بلا مصداقية، وجرّدها من كل شيء ملموس يُمكن أن تقدمه على طاولة المفاوضات.
أما البرودة الأميركية تجاه مبادرة عون فلم تكن مفاجئة. فواشنطن، كما يقدّر ذلك مراقبون، لا ترى في بيروت حالياً شريكاً موثوقا، بل كجزء من مسرح إقليمي تصل امتداداته إلى تل أبيب وطهران والرياض وعواصم أخرى وفي آن واحد. والتفاوض، في حقيقته، لا يقوم فقط على الرغبات والأمنيات، بل على ما يملكه كل طرف من إرادة سياسية وأوراق قوة ووضوح في الأهداف والمصالح وقدرة على الالتزام.
المفارقة أن الحكومة اللبنانية التي يُشدّد رئيسها نواف سلام على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيدها، لم تتمكن من ترجمة ذلك إلى احتكار فعلي للقوة بسبب عوامل متشابكة، قانونية وميدانية وسياسية، وظهر أيضاً إن الإعلان عن انتهاء عملية حصر السلاح في جنوب الليطاني كشف عن ثغرات جوهرية، وفشل واضح ظهر في أول اختبار عملي. لم تنجح الدولة في تحويل "اتفاقات وقف إطلاق النار"، ولا القرارات الدولية، ولا تطبيق بنود الدستور إلى إجراءات عملية حقيقية على الأرض ينفذها الجيش لضبط المخازن ومستودعات الصواريخ، وهذا ما أدى إلى اهتزاز مصداقيتها وانهيارها أمام المجتمع الدولي.
والذريعة التي استخدمها البعض لتبرير الفشل في حصر السلاح هي أن الجيش اللبناني يتجنب الصدام المباشر مع حزب الله خوفاً من فتنة داخلية وحصول مزيد من الانقسام الأهلي في بلد يقوم نظامه السياسي على توازنات طائفية تجعل من السيادة محور تنازع وتعطيل. ولذلك يرى بعض أركان الدولة أن استعادة القرار السيادي، لا يمكن فرضه بالقوة، وفي الوقت نفسه لا يقدمون بديلاً آخراً، ولا يملكون خططاً موازية تنقل لبنان إلى مصاف الدول الحقيقية، وربما يفضّلون أن تبقى الأمور على حالها بانتظار تغيير ما في المنطقة، أو أبعد من ذلك بكثير.
مع ذلك، لا يمكن الانتقاص من مبادرة عون واختزالها بخطوة رمزية عابرة. فهي تعبّر رغم المأزق السيادي عن رسالة داخلية تفيد أن خيار الدولة يختلف عن خيار الحرب المفتوحة، وأن الدبلوماسية والتفاوض المباشر أداة قوية يُمكن الاستفادة منها بعيداً من تداعيات الحرب الحالية التي لا تهدد فقط السيادة اللبنانية، بل تضغط أيضاً على آخر حبال تماسكه الداخلي عبر النزوح الواسع، والتوترات الاجتماعية والطائفية، والانقسام السياسي، وطبعا لا ننسى الوجود العسكري الإسرائيلي الواسع في جنوب لبنان.
هذا الواقع، يؤكد أن مبادرة التفاوض تقف عند حدود التعبير عن إرادة سياسية في دولة تكتمل شروطها بعد، وإن مسارها لن يتحقق في ظل ميزان القوى الحالي.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook