سلاح حزب الله وتفريغ التزامات الدولة من مضمونها
نبيل شحاده - وضعَ الرفض العلني والميداني من قبل حزب الله لاتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، الدولة اللبنانية أمام اختبار كبير. فالتسوية التي تُصاغ في أروقة الدبلوماسية الدولية تصطدم بالمعضلة المزمنة التي تحكم لبنان منذ عقود وهي وجود حزب الله وارتباطه العضوي باستراتيجيات وخيارات الحرس الثوري الإيراني. وكيف يمكن لدولة فاقدة للسيادة والإرادة أن تضمن تنفيذ التزاماتها الدولية وتعهداتها؟
الدولة اللبنانية لا تعمل وفق المفهوم الكلاسيكي للسيادة المطلقة، بل وبسبب الاهتراء في هيكليتها، تعتمد في إدارة شؤونها وأزماتها على مبدأ يمكن تسميته بالاستيعاب السياسي، وإذا ما رفض فريق داخلي قوي عملية الاستيعاب برمتها، يسقط كل شيء ، وهذا الفريق هو دائماً حزب الله، الذي يقدر على تعطيل أي التزام رسمي وحتى التحرك على الأرض والانقلاب المباشر على مؤسسات الدولة وترهيبها وإخضاعها، مستفيداً من وهج سلاحه – الموجه أساساً إلى الداخل- وبعض النفوذ في السلطتين التنفيذية والتشريعية والمهيأ لعرقلة وتعطيل كل ما يجده مخالفاً أو خطراً على وجوده ودوام هيمنته.
رفض حزب الله للاتفاق لم يقف عند حدود الموقف السياسي وتصريحات قياداته ونوابه، بل إن الأمين العام نعيم قاسم رفض المفاوضات ووصفها بأنها "عبثية ومذلّة ومخزية". كما تُرجم الرفض فوراً على أرض الواقع عبر استمرار عملياته العسكرية ضد تجمعات الجيش الإسرائيلي المنتشرة في الجنوب. المفارقة هنا تكمن في أن هذه العمليات لا تُزعج تل أبيب، بل على العكس تماماً، تتلقفها وترحب بها كذريعة مثالية تمنحها الغطاء المطلوب لتبرير مواصلة آلتها التدميرية المنهجية في جنوب لبنان، ويُشرعن، ضمن روايتها الأمنية أمام المجتمع الدولي، دوام احتلالها العسكري المباشر لشريط جغرافي واسع يضم أكثر من ستين قرية وبلدة جنوبية. وهكذا، تتكامل المبررات وتتحول هجمات الحزب تحت شعارات المقاومة ودحر العدوان، إلى مسوغ إسرائيلي لتثبيت أمر واقع حدودي جديد تحت شعار "الدفاع عن أمن الشعب الإسرائيلي"، مما يعمق المأساة اللبنانية ويحصر الدولة في دور الشاهد العاجز أمام تآكل سيادتها، وقضم جغرافيتها.
ولا يقتصر تصدي حزب الله للاتفاق على الرفض السياسي، بل يتعداه إلى تحريض بيئته الحاضنة ضد مسار التهدئة أو السلام الذي ستستفيد منه بشكل كبير هذه البيئة، فيعمل على نزع الشرعية عن الدولة وتصويرها إلى جانب الأطراف الداعمة للاتفاق كأدوات "خضوع واستسلام" تخدم المصالح الإسرائيلية.
مواقف حزب الله كانت متوقعة لا سيما وأنه سبقها موقف علني لقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني الذي رفض الاتفاق وأعطى ضوءاً اخضر لكل شخصيات وكتّاب ومحللي المحور في لبنان للانطلاق دفعة واحدة ضد الاتفاق وتداعياته، محمّلين الدولة ولا سيما الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام كامل المسؤولية وصولاً إلى توصيفات الخيانة والتواطؤ والعمالة.
وهكذا يتبين أن الرفض الداخلي لحزب الله لا ينفصل عن استراتيجية إقليمية للحرس الثوري الإيراني الذي ينظر إلى الساحة اللبنانية كخط دفاع متقدم - أو متراس - وجزء لا يتجزأ من منظومة الردع الخاصة به. الحرس الثوري يعتبر أن أي موافقة على ترتيبات أمنية لبنانية تُقيد حركة الحزب أو تنزع سلاحه تعني، في الحسابات الإيرانية، خسارة ورقة مساومة رئيسية – بعد سوريا- في الصراع المفتوح مع واشنطن وتل أبيب. وبناءً على ذلك، فإن قرار تعطيل الاتفاق ليس قراراً لبنانياً محلياً يمكن معالجته عبر طاولات الحوار الوطني، ولا بالاستيعاب السياسي، بل هو قرار إقليمي ومسلّح يفوق قدرة بيروت على تجاوزه والتأثير فيه.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook