دعوة للواقعية والتواضع في ترقب نتائج قمة ترامب وعون

دعوة للواقعية والتواضع في ترقب نتائج قمة ترامب وعون

 

نبيل شحاده - زيارة الرئيس جوزاف عون إلى العاصمة الأميركية واشنطن، تلبية لدعوة رسمية من الرئيس دونالد ترامب، جاءت في لحظة سياسية بالغة الحساسية والتعقيد من تاريخ لبنان المعاصر، حيث يرى البعض في اللقاء المرتقب في البيت الأبيض محطة يعوّل عليها في إمكانية تصويب المسار اللبناني ووضعه على سكة الحلول، وضبط إيقاع الدولة بعد عقود طويلة من الأزمات المتراكمة، والحروب المتواصلة، والانهيارات في هيكلية مؤسساتها كافة. غير أن القراءة العميقة والموضوعية لخرائط السياسة اللبنانية تؤكد أن الطموحات المعقودة على هذه القمة قد تصطدم بجدار سميك من التناقضات المحلية، مما يستدعي قراءة هادئة ورصينة تتفهم حدود التأثير الخارجي أمام استعصاء وتعقيد الداخل.

إن التحدي الأول الذي يواجه زيارة الرئيس عون ويقوّض فرص ترجمة نتائجها على أرض الواقع يكمن في البنية التأسيسية للسلطة اللبنانية الحالية؛ فهي سلطة تفتقر إلى الحد الأدنى من التماسك، وتتجاذبها تيارات سياسية متناحرة لا تلتقي على رؤية موحدة لمفهوم الدولة أو المصلحة الوطنية العليا.

هذا التشظي يجعل الرئيس عون في واشنطن يبدو مكشوف الظهر سياسياً، حيث يدرك الجانب الأميركي أن التعهدات والاتفاقات التي قد تُبرم في الغرف المغلقة للبيت الأبيض قد لا تجد لها حاضنة سياسية صلبة في بيروت قادرة على تسويقها أو وضعها موضع التنفيذ.

وفي قلب هذه الصورة القاتمة، يبرز التحدي الأكبر والأخطر أمام أي مسار سياسي في لبنان، والمتمثل في موقف "حزب الله"، الذي يشكل العقدة المستعصية أمام أي ترتيبات محلية أو أميركية أو دولية. فالحزب يرفض رفضاً قاطعاً أي مسٍ بسلاحه وتوجهاته، ويُظهر مع التهديد والوعيد إصراراً راسخاً على أن يبقى لبنان منصة صواريخ متقدمة وبؤرة إرباك أمني وعسكري في المنطقة، في توظيف مباشر لصالح الطروحات والمشاريع الإيرانية، لا سيما في هذه الظروف المتأزمة. هذا الارتباط العضوي بأجندة إيرانية يجعل الحزب، ومن خلفه الرئيس نبيه بري، ينظر إلى أي محاولة لتغيير الوضع القائم أو إعادة رسم التوازنات برعاية أميركية، على أنها استهداف مباشر لوجوده ودوره، ما يدفعه إلى اتخاذ مواقف متصلبة مسبقاً، ملوّحاً بحرب أهلية وبقدرته على إجهاض وتعطيل مفاعيل أي مسار يتجاوز خطوطه الحمراء أو يهدد مشروعه الإقليمي.

وتتضاعف احتمالات إفشال نتائج الزيارة عند النظر إلى الهوة الشاسعة بين تطلعات واشنطن والقدرة اللبنانية على الاستجابة، لا سيما في الشق الأمني والعسكري. فالإدارة الأميركية، التي تسعى لتثبيت ترتيبات أمنية صارمة، وتحييد السلاح غير الشرعي، وحصر السيطرة الأمنية بيد مؤسسات الدولة، ستجد نفسها أمام واقع لبناني شديد التعقيد. وفي السياق نفسه، تبرز ظاهرة لافتة تتمثل في إظهار قيادة الجيش اللبناني تمايزاً واضحاً في مواقفها وحساباتها عن التوجهات السياسية العامة للحكومة ورفضاً للضغوط الخارجية التي قد تدفعه نحو فخ المواجهة الداخلية، حيث نقلت مصادر صحفية أن "الجيش ليس في وارد القبول بالدخول إلى مناطق تجريبية شمال الليطاني، لأنّه لا يريد الصدام مع أحد من المكونات اللبنانية، سواء حزب الله أو غيره، وذلك على قاعدة أنّ حماية الاستقرار تشكّل الأولوية القصوى".

هذا التمايز العسكري يفرض إيقاعاً مختلفاً على المباحثات، حيث تدرك المؤسسة العسكرية أن الاندفاع خلف تلبية الشروط الخارجية بشكل أحادي قد يؤدي فوراً إلى انفجار حكومي وأمني في الداخل، يعيد البلاد إلى مربعات الفراغ أو الصدام الأهلي. كما يدرك المراقبون أن أدوات التعطيل في لبنان، من المقاطعة السياسية وشلّ المؤسسات الدستورية إلى التوترات الأمنية المتنقلة، تظل دائماً جاهزة للاستخدام من قبل الأطراف المسلحة لإحباط أي مسار تراه مفروضاً عليها من الخارج.

بناءً على هذه المعطيات، فإن الرؤية الواقعية تفرض إبقاء سقف الآمال من قمة واشنطن منخفضاً ومتواضعاً. والاعتقاد بأن لقاءً ثنائياً في واشنطن يمكنه تفكيك معضلات لبنان المزمنة، وتجريد قوى من سلاحها ومن ارتباطاتها الإقليمية، أو وضع الجيش في خضم مواجهات غير محسوبة العواقب، هو نوع من الوهم السياسي الذي يتجاهل موازين القوى على الأرض. إن الواقع اللبناني يبقى دائماً عرضة للانفجار والتأزم وشد الحبال إلى ما لا نهاية، وأي جهد دولي لا يأخذ بالحسبان قدرة التعطيل الداخلي وأولوية حفظ السلم الأهلي لن يكتب له النجاح.