اتفاق الضرورة بين ترامب وإيران يُرحّل أزمات المنطقة ولا يحلها

اتفاق الضرورة بين ترامب وإيران يُرحّل أزمات المنطقة ولا يحلها

 

في خضم مشهد إقليمي محتقن، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بالتزامن مع بلوغه سن الثمانين، عن التوصل إلى إطار أولي لوقف الحرب مع إيران، معتبراً أن هذه الخطوة قد تمثل "بداية لسلام طويل وجميل، ويجب ألا نضيعه". استند هذا الإعلان إلى مسودة من أربعة عشر بنداً، تضع جدولاً زمنياً لمفاوضات لاحقة، وتم التوصل إليها عبر جهود وساطة مكثفة قادتها باكستان وقطر.

 

ونصت التفاهمات الأولية على وقف فوري للعمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، مترافقاً مع إعفاءات أميركية مؤقتة من العقوبات النفطية، ورفعٍ للحصار البحري. وقد انعكست هذه الأنباء فوراً على أسواق الطاقة، لتهبط أسعار خام برنت بأكثر من ثلاث دولارات للبرميل. ولكن، في مقابل الرواية الأميركية، سارعت مصادر رسمية إيرانية إلى تسريب بنود وتفسيرات موازية، كشفت عن تباينات جوهرية تجعل من هذا الإعلان مجرد "مذكرة تفاهم" هشة، تفتقر إلى آليات التنفيذ الصلبة.

تأتي هذه التفاهمات في وقت تقف فيه منطقة الشرق الأوسط على مفترق طرق تاريخي، وتحتاج فيه إلى معاهدات شاملة تعالج مسببات الصراع من جذورها. وما يضاعف الشكوك حول هذا المسار الدبلوماسي، هو تخليه الواضح عن الشروط الثلاثة الصارمة التي وضعها ترامب سابقاً كأساس لأي تسوية؛ والمتمثلة في: التفكيك الدائم لعمليات تخصيب اليورانيوم، فرض قيود صارمة وغير قابلة للتفاوض على برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء النفوذ الإقليمي الإيراني عبر قطع الدعم عن الميليشيات المسلحة

هنا، يُمكن القول، أن الغموض لا يزال سيد الموقف حيال هذا الاتفاق؛ فهو في جوهره لا يقدم حلولاً جذرية بقدر ما يبدو أشبه بخارطة طريق هشة لمفاوضات طويلة الأمد، مآلاتها غارقة في الضبابية ولا توجد ضمانات فعلية لتحقيقها. إن الرهان على وقف إطلاق النار، أو بناء سلام مستدام، أو تهيئة الشرق الأوسط لاستقرار شامل، لا يمكن أن يُؤسَّس على مجرد وعود مستقبلية معلقة وتفاهمات تكتيكية. فهذه الحلول المؤقتة تشبه الرماد الذي يخفي تحته جمراً، وبإمكانها أن تنهار في أية لحظة عند أول اختبار، لتُدخل المنطقة مجدداً في أتون حرب جديدة وأكثر تعقيداً.

 

أما المعضلات التي رًحّلت إلى طاولات حوار مستقبلية، فهي قد تضع الاتفاق أمام تهديدات قد تنسفه وتعيد الأمور في المنطقة إلى نقطة الصفر.

 

أولاً: المعضلة النووية وفخ المهل الزمنية

حدد الاتفاق إطاراً زمنياً لا يتجاوز ستين يوماً للوصول إلى تسوية شاملة للبرنامج النووي الإيراني. إن محاولة البت في مصير ترسانة تتجاوز أربعمائة كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب خلال شهرين، تبدو غير واقعية؛ لا سيما أن تفكيك هذا الملف استغرق سنوات من التفاوض المضني لإنجاز اتفاق عام ألفين وخمسة عشر. وفي حين توظف طهران هذه المهلة كتكتيك لشراء الوقت، تُبقي واشنطن خيار استئناف الضربات العسكرية مطروحاً إذا انقضت المهلة دون التزام فعلي.

 

ثانياً: التضارب في سيادة الممرات المائية

يُشكل مضيق هرمز، الذي يمر عبره خمس إنتاج النفط العالمي، نقطة اختبار حقيقية للنوايا. فالرواية الأميركية تؤكد على فتح المضيق فوراً ودون شروط لتأمين الملاحة، بينما تشير التسريبات الإيرانية إلى أن العملية ستخضع لترتيبات وإشراف إيراني بحت لمدة ثلاثين يوماً، مخصصة لإزالة مخلفات الحرب. هذا التضارب الجذري في التفسير دفع القوى الأوروبية الأربع (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا) إلى الإعلان الفوري عن رفضها القاطع لأي مساومة على حرية الملاحة أو فرض رسوم عبور.

 

ثالثاً: عقدة الساحة اللبنانية والغياب الإسرائيلي

تبرز جبهة لبنان كأخطر الألغام المهددة للتفاهمات. فبينما أكد الوسطاء أن الوقف الفوري للعمليات يشمل كافة الساحات، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية وتوسيع توغلها في الجنوب اللبناني للمرة الأولى منذ ربع قرن. وقد تجلى هذا التناقض ميدانياً عبر الغارات الإسرائيلية العنيفة على بيروت، والتي أوقعت ما لا يقل عن ثلاثة قتلى إيرانيين وستة جرحى، في خطوة كادت أن تطيح بجهود الوساطة برمتها وأشعلت توتراً حاداً بين واشنطن وتل أبيب. إن استبعاد إسرائيل من هذه التفاهمات يبقيها قادرة على تفجير المشهد، ويحرم الدولة اللبنانية من فرصة استعادة سيادتها المستباحة.

 

رابعاً: معضلة الأذرع المسلحة واختطاف السيادة

 إلى جانب غياب الحسم في الملفين النووي والباليستي، يبرز التجاهل التام لمصير الميليشيات والفصائل الموالية لإيران في العراق ولبنان واليمن كمعضلة رابعة تهدد أسس الاتفاق. إن بقاء هذه الشبكات الإقليمية دون معالجة جذرية يُبقيها خطراً قائماً يضرب سيادة الدول من الداخل وينتهك هيبتها المؤسساتية. فهذه الكيانات تفرض ثنائية غير صحية على مستوى السلاح وقرار الحرب والسلم، مما يحرم الدول المعنية من احتكار القوة الشرعية، ويحولها إلى ساحات مرتهنة لأجندات خارجية؛ وهو واقع يتناقض كلياً مع أي مساعٍ جادة لبناء استقرار إقليمي مستدام.

 

في ضوء هذه التعقيدات، وفي حين لا يزال الوقت مبكراً لتقييم التداعيات النهائية أو التنبؤ بمسار التوقيع الرسمي في سويسرا، بات لزاماً على دول المنطقة، وخاصة دول الخليج العربية، اعتماد مقاربة تقوم على أقصى درجات الحذر والترقب. فهذا الغموض الذي يكتنف ضمانات أمن الملاحة وتحجيم الميليشيات، يفرض التريث الاستراتيجي قبل إعلان مواقف حاسمة حيال اتفاق لا يزال في طور الاختبار.

ويتزامن هذا الحذر مع تحول ملموس في الإدراك الاستراتيجي الدولي والإقليمي لطبيعة التهديدات؛ إذ لم تعد طهران وأذرعها تُقرأ كعامل التوتير الأوحد في المشهد. فقد أسهمت السياسات العسكرية الإسرائيلية، واستمرار عملياتها خارج أي ضوابط دبلوماسية أو أفق سياسي، في تكريس قناعة متزايدة بأن هذا الاندفاع بات يشكل عاملاً موازياً يهدد الاستقرار الإقليمي ويجر الشرق الأوسط نحو حافة الانفجار الشامل.