المسلمون السنّة في لبنان: من الانكفاء الاضطراري إلى تحرير الدولة من الحزبية
نبيل شحاده - شكّل المسلمون السنّة في لبنان عماداً أساسياً وركناً قوياً في التاريخ المعاصر لهذا الوطن، وساهموا في تأسيس الدولة اللبنانية من خلال تناغمهم التاريخي مع التطلعات المسيحية في عشرينيات القرن الماضي، والتنازلات الكبرى التي قدموها عبر قبولهم بالانفصال عن المدى العربي الإقليمي الواسع، فكانوا رافعة للكيان المستقل ذي الأركان الكاملة والاستقلال والسيادة. استمر هذا الدور التأسيسي والمحوري حاضراً في كل المحطات المفصلية والأحداث الوطنية، مجسداً حرصاً دائماً من سنّة لبنان على مفهوم الدولة والشراكة الجامعة.
على هذا النهج التأسيسي، واصل المسلمون السنّة ترسيخ حضورهم السياسي بدءاً من ميثاق عام 1943 بين رياض الصلح وبشارة الخوري، وصولاً إلى اتفاق الطائف في عام 1989، الذي نقل السلطةَ التنفيذية من الصلاحيات المطلقة لشخص رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، وأحدث نقلة استراتيجية في توازن السلطات، وتعزيز موقع ومؤسسة رئاسة مجلس الوزراء، من خلال سحب صلاحية إقالة رئيس الحكومة من يد رئيس الجمهورية، وأصبحت تسمية رئيس الحكومة منوطة باستشارات نيابية ملزمة لرئيس الجمهورية بدلاً من التعيين المباشر. كما منح الاتفاق رئيس الحكومة صلاحية وضع جدول أعمال مجلس الوزراء ودعوة المجلس للانعقاد وإدارة أعماله والتوقيع الشريك على مرسوم تشكيل الحكومة.
وبالعودة إلى الوراء قليلاً، شهد الشارع السنّي منعطفات حادة أثقلت دوره التاريخي؛ فمع انتهاء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وما تلاه من إعادة تشكيل الخارطة الميدانية والسياسية في البلد، تحول مركز الثقل العسكري والسياسي نحو أطراف وقوى أخرى، وأدى بطبيعة الحال إلى بداية انكفاء القوى التقليدية للمكون السنّي وتهميش متزايد لمؤسسات الدولة التي كان يتكئ عليها. ثم جاء صعود الرئيس رفيق الحريري في التسعينيات ليمثل محاولة جادة لإعادة بناء الدولة المؤسساتية والاقتصادية، وجعل من المكون السنّي رافعة لشارع عابر للطوائف ومحورياً في المعادلة الإقليمية. بيد أن اغتياله عام 2005 أحدث زلزالاً سياسياً ووطنياً أدخل الساحة من جديد في مواجهات حادة وأسست لانقسام واسع بين شرائح المكونات اللبنانية.
ومع انتقال قيادة تيار المستقبل إلى سعد الحريري دخلت الساحة السنّية في سلسلة من التنازلات السياسية والتسويات المتتالية رأى فيها المراقبون تراجعاً في القدرة على التأثير في القرارات الاستراتيجية للدولة، وفقداناً تدريجياً لحق المشاركة الفعالة، نتيجة عدم قدرة سعد الحريري والمحيطين به على استيعاب تعقيدات اللعبة السياسية وانعكاساتها الشاملة على الوضع اللبناني.
وعندما أعلن سعد الحريري تعليق عمله السياسي وعدم مشاركة تيار المستقبل في انتخابات عام 2022، ساد انطباع أولي بأن السنّة يتجهون نحو التهميش الكامل أو الفراغ القاتل. إلا أن القراءة المتأنية لتلك المرحلة تكشف عن وجه آخر كلياً لهذه الحالة.
في الواقع، لم يكن تشتت الصوت السنّي في الانتخابات دليل ضعف بقدر ما كان إعلاناً عن استعادة الأفراد والشرائح الاجتماعية لحريتهم السياسية. فبعد عقود من الاحتكار الحزبي، أفرزت صناديق الاقتراع تنوعاً لافتاً في الولاءات والخيارات؛ إذ صعدت شخصيات مستقلة ونخب تغييرية وتكنوقراطية، واستعادت المناطق تنوعها التاريخي بعيداً عن منطق "الاستزلام" والتجييش المذهبي الأعمى؛ فأثبت المكون السنّي في هذه المحطة قدرة على ممارسة العمل الديمقراطي الحر خارج قفص الحزب الواحد والزعيم المفرد.
تكمن الأهمية الكبرى لهذه التجربة الاستثنائية لسنّة لبنان في إمكانية تحويلها من ظاهرة اضطرارية لدى طائفة بعينها إلى مشروع وطني شامل يُعمم على كافة المكونات اللبنانية. فالأزمة الكبرى في النظام السياسي اللبناني لا تكمن في وجود الطوائف كنسيج ديني وثقافي واجتماعي، بل في "تحزيب" هذه الطوائف وتسييج مناطقها، واختزالها في زعامات أحادية أو ثنائيات حصرية تحتكر القرار وتصادر إرادة أفرادها.
إن الدستور اللبناني في جوهره، ومعه كافة القوانين والمواثيق الدولية، لا يتعامل مع مجتمعات مغلقة بل مع أفراد مواطنين لهم حقوقهم المطلقة وعليهم واجباتهم الصريحة. وعندما تتحرر بقية الطوائف اللبنانية من سطوة الأحزاب الأحادية وتفتح أبوابها أمام التعددية والتنوع، يسقط تلقائياً منطق "المحاصصة الطائفية المقفلة" التي أنهكت الدولة وعطّلت عملية تطويرها وتحديثها لصالح الزبائنية القاتلة. عندئذ، يتوقف استخدام الشارع كأداة للضغط والتفاوض السياسي والمحاصصة على حساب الدولة، ويُجبر الجميع على العودة إلى المؤسسات الدستورية كساحة حصرية للحوار وصنع القرار.
إن ما يمر به المسلمون السنّة في لبنان، برغم قساوة الظروف السياسية والتحديات التي رافقته، يقدم درساً رصيناً للحياة السياسية اللبنانية برمتها. فالتخلي عن التبعية المطلقة للزعامات والأحزاب المغلقة ليس علامة انكسار، بل هو الشرط الأول للتعافي السياسي والتأسيس لمجتمع متحرر.
إن بناء لبنان المستقر والناجح يتطلب أن تتطابق حالة كل الطوائف مع هذه الصورة: مجتمع لا يقبل بالقيود الحزبية الضيقة، يتألف من مواطنين أحرار يختارون ممثليهم بناءً على البرامج والكفاءات والانفتاح، لتتحول الدولة من ساحة لتقاسم النفوذ بين الأحزاب إلى دولة قانون ومؤسسات تتسع للجميع دون استثناء.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook