خبير يكشف وهم السدود ويطرح الحل العلمي لإنهاء معاناة البيروتيين مع مياه الشرب
في مفارقة قاسية، يعاني المواطن اللبناني من العطش ويضطر لشراء المياه بأسعار مضاعفة من مافيات الصهاريج طوال العام، رغم أن تقارير الأمم المتحدة والبعثات العلمية والخبراء تصف بلده بأنه "بلد المياه في الشرق الأوسط". وفي ظل هدر ملايين الدولارات على سدود سطحية ابتلعت الأموال ولم تحفظ المياه بسبب الفساد والمحاصصة، ، يبرز صوت العلم ليقارع سياسات الفوضى والهدر، من خلال الخبير الهيدروجيولوجي الدكتور سمير زعاطيطي الذي فتح ملف المياه الجوفية المهدورة، وفكّك بالدليل العلمي أسباب انهيار السياسات الرسمية، مسلطاّ الضوء على مشروعه المتكامل والعملي لإنقاذ العاصمة بيروت من عطشها المزمن. وفي حوارٍ مع موقع "نستراك" يضع النقاط على الحروف، ويكشف بصراحة أن استثمار المياه الجوفية هو الحل بالبديل والمستدام لإنقاذ ثروة لبنان المهدورة.
الواقع الجيولوجي: ثروة مهدورة تحت الجبال
يوضح الدكتور زعاطيطي أن لبنان يتمتع بطبيعة جبلية تتكون من صخور كربوناتية قاسية ومشققة، تشكل خزانات طبيعية هائلة للمياه. وتتلخص المعطيات العلمية لهذه الثروة في النقاط التالية:
- تسقط على الأراضي اللبنانية سنوياً حوالي 10 مليارات متر مكعب من المتساقطات، سواء أكانت أمطاراً أم ثلوجاً.
- تتسرب 3 مليارات متر مكعب من هذه المتساقطات إلى داخل الصخور الكربوناتية لتشكل مخازن جوفية كارستية تعود لعدة عصور، أبرزها المخزن الجوراسي الذي تبلغ سماكته 1200 متر، والمخزن الطبشوري الأوسط بسماكة 600 متر.
- تشكل المياه السطحية (كالينابيع والأنهار) نحو 1.3 مليار متر مكعب سنوياً فقط، ومعظمها ملوث بالنفايات والصرف الصحي.
وينفي زعاطيطي تراجع معدلات الأمطار بسبب التغير المناخي، مستنداً إلى أبحاث علمية أثبتت استقرار هذه المعدلات على مدار ستين عاماً مضت، مع الإشارة إلى مرور سنة شحيحة كل 11 أو 12 عاماً. ويوضح أن التغير المناخي الفعلي يكمن في ارتفاع درجة الحرارة عالمياً بمقدار 2.5 درجة مئوية، مما أدى إلى سرعة ذوبان الثلوج المبكر وجريان المياه السريع نحو البحر.
وهم السدود السطحية وأسباب فشلها الممنهج
ينتقد زعاطيطي بشدة تبني الدولة اللبنانية لسياسة بناء السدود السطحية، مؤكداً أن الدراسات التاريخية الرصينة، كتقارير البعثة الجيولوجية الفرنسية وأبحاث إبراهيم عبد العال، أوصت جميعها باستثمار المياه الجوفية المتجددة التي تذهب هدراً نحو البحر. ويرجع فشل السدود في لبنان إلى غياب الأساس العلمي وتجاهل الجيولوجيا، وإدارتها من قبل مهندسين مدنيين كـ "مشاريع باطونية" تهدف إلى إفادة السياسيين عبر تشغيل الكسارات والمقالع واستملاك الأراضي. ويستعرض أدلة قاطعة على هذا الفشل:
- سد بريصا: تم اكتشاف كسر أرضي في قاعدته بعد التنفيذ، مما أدى إلى تسرب المياه عبره واختفائها عن السطح.
- سد المسيلحة: يُعد من أسوأ المواقع جيولوجياً، حيث أُقيم قرب البحر على كسر البترون، فتسربت مياهه عبر الشقوق والبواليع مباشرة نحو البحر.
- سد جنة: يحتوي موقعه على ثلاثة كسور أرضية متقاطعة، وقد أثبتت الأبحاث الألمانية أن 32% من مياهه تتسرب جوفياً باتجاه جعيتا، ووصفه الخبراء الفرنسيون بأنه "مصفاة" لا تصلح لحفظ المياه.
- سد بقعاتة كنعان: نُفذ فوق كسر أرضي كبير تحته مغاور وفراغات، ولا يملك مصدراً مائياً لتعبئته سوى ساقية تغور مياهها في الربيع.
- سد القيسماني (حمانا): أُقيم فوق كسر أرضي يسحب المياه باتجاه نبع حمانا، وأدت أعمال إغلاق الكسر بمادة الزفت إلى تلوث المنطقة والنبع.
- سد مرج بسري: أُوقف العمل به بعد إثبات الدراسات الهيدروجيولوجية أنه يقع في وادٍ انخسافي بين فالقين، ولن يخزن سوى مياه نهر الأولي الملوثة.
ويشير الخبير الهيدروجيولوجي إلى أن دولاً أوروبية كفرنسا تخلت عن السدود الجبلية المكلفة واتجهت نحو المياه الجوفية المتجددة والأقل كلفة، كما هو الحال في تغذية عواصم كباريس وروما وفيينا.
مشروع إنقاذ العاصمة بيروت والحل المستدام
يطرح الدكتور زعاطيطي حلاً عملياً وسريعاً لأزمة مياه بيروت الكبرى، يعتمد على استثمار المخازن الجوفية المجرّبة والموجودة على تخوم العاصمة، مثل مناطق الداشونية، ووادي شحرور، وبليبل.
- يتضمن المشروع البدء بحفر بضعة آبار مدروسة علمياً على حدود هضبة بيروت، في مناطق كفرن الشباك، الغبيري، الشياح، ورأس بيروت.
- يستغرق تنفيذ حفر 10 آبار فترة شهر واحد فقط، ليتم بعدها تجهيزها بالمضخات وتسليم المياه لمصلحة مياه بيروت الكبرى لتوزيعها.
- يتميز هذا المشروع بغياب بنود السرقات الكبيرة، ويمكن لمتعهد واحد أن يقوم بأعمال الحفر والتغليف والتجهيز.
ويصف زعاطيطي التحذيرات من تداخل مياه البحر مع المياه العذبة جراء سحب المياه الجوفية بأنها تحذيرات صادرة عن جهات لا تفقه في مخازن المياه الجوفية، وتفتقر للأبحاث الموثقة.
الفساد الإداري ومافيات المياه
يُرجع الدكتور زعاطيطي تغييب الاعتماد على المياه الجوفية إلى الفساد الإداري والسياسي، وغياب أي بحث علمي جاد في الوزارات المعنية التي يديرها سماسرة ومحسوبون على الميليشيات.
- تم التضييق عمداً على إعطاء رخص حفر الآبار، خاصة في الفترة الممتدة من 2008 إلى 2025، للترويج لسياسة السدود المربحة سياسياً.
- أدى تقصير الوزارات في تأمين المياه والكهرباء إلى خلق قطاع مربح جداً لمافيا المولدات والصهاريج، والتي تحظى برعاية زعامات حزبية تتقاسم العائدات ضمن كانتونات مغلقة.
- يتهم زعاطيطي النقابات الهندسية والمراكز البحثية الأكاديمية بخدمة الفساد، مشيراً إلى أن غياب الرقابة والمحاسبة أدى إلى كوارث أخرى كانهيار المباني في المنصورية والشويفات وتخسف الطرقات والجسور.
الرؤية المستقبلية وخارطة الطريق
يختم الدكتور زعاطيطي رؤيته بالتأكيد على أن تحويل قطاع المياه إلى قطاع منتج ومكتفٍ ذاتياً يتطلب حكماً العودة إلى البحث العلمي وتنفيذ الحلول بعيداً عن سياسيي الفساد المتجذر في الدولة. ويوجه رسالة صريحة مفادها أن الوقت قد حان لكي يتسلم خبراء وعلماء بيروت إدارة ملف تزويد العاصمة بالمياه والطاقة، لمعالجة الأزمة بشفافية وعلمية، وإنقاذ المواطن المتروك لدفع فواتير باهظة بالدولار نتيجة سياسات الحرمان والإهمال.




التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook