زياد دندن: جمعية تراث بيروت تحمي الذاكرة والهوية وتقاوم زحف الباطون
نستراك - تعيش بيروت صراعاً مريراً للحفاظ على هويتها في وجه زحف التطور العمراني الذي نجح في تبديل معالمها ومشهدها التاريخي. وفي الوقت نفسه، تتلاشى روح المدينة وتراثها اللامادي؛ فالحكايات والذاكرة والتقاليد والعلاقات الاجتماعية، وتفاصيل الحياة اليومية التي شكلت على مدى قرون وجدان أهلها، باتت جميعها مهددة بالاندثار والنسيان في زحمة التحولات الكبيرة والأزمات المتلاحقة.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز جهود استثنائية للتشبث بما تبقى من ذاكرة العاصمة، حيث تقف "جمعية تراث بيروت" كحارس أمين لهذه الهوية، عاملةً بجهد حثيث على توثيق وحماية تراث المدينة بشقيه: المعماري المادي، والروحي اللامادي. وللغوص أكثر في تفاصيل هذا الواقع المعقد، شاركنا الأستاذ زياد دندن، رئيس الجمعية، قراءته للواقع الحالي، مسلطاً الضوء على نشاطاتهم والتحديات التي تواجههم.
تأسيس الجمعية ونشاطاتها الميدانية والرقمية
وحول تأسيس جمعية تراث بيروت وأهدافها، أوضح الأستاذ زياد دندن أن جمعية "تراثنا بيروت" نالت العلم والخبر من وزارة الداخلية في منتصف عام 2019، لتتأسس كجمعية أهلية غير ربحية تُعنى بنشر ثقافة المحافظة على تراث بيروت وتاريخها، وحماية تراث أهلها من عادات وتقاليد وحياة اجتماعية.
وعرَضَ دندن لبدايات التأسيس، مشيراً إلى أن الفكرة بدأت من مجموعة أشخاص ضمّت مؤرخين وباحثين ومهتمين بأمر التراث، كان على رأسهم مؤرخ بيروت الأستاذ عبد اللطيف فاخوري، ومن بينهم الأستاذ سهيل منيمنة، الذي أطلق صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي (تحديداً منصة فيسبوك) باسم "تراث بيروت" (Beirut Heritage) باللغتين العربية والإنجليزية. وقال إن هذه الصفحة لاقت رواجاً كبيراً، حيث كان الأستاذ سهيل (رحمه الله) يحرص على نشر كل معلومة دقيقة وموضوعية عن تراث بيروت، إلى جانب الصور، ورسومات الفنانين، والأبحاث.
وأضاف دندن أنهم كانوا يجتمعون في أحد مقاهي بيروت أسبوعياً أو مرتين في الشهر لتداول القضايا التي تهم تاريخ المدينة، إلى أن تبلور الاقتراح بتحويل المجموعة من الفضاء الافتراضي إلى جمعية فعلية. وأكد أنهم وضعوا النظامين الأساسي والداخلي، وترأس أول هيئة إدارية الأستاذ سهيل منيمنة الذي توفي في بداية شهر شباط من عام 2026.
وأوضح أنه مع انطلاق العمل تم تأسيس صفحات إضافية على "إنستغرام" و"يوتيوب" وغيرها، ساهم في إثرائها بموادهم مجموعة من الشباب والشابات. ولفت دندن، متوجهاً بحديثه للمحاوِر (الأستاذ نبيل)، إلى مساهمته القيمة في تسليط الضوء على شخصيات بيروتية رائدة عبر سلسلة أفلام مصورة ومختصرة كان لها صدى طيب.
وأكد دندن أن المشروع كبر، فنظمت الجمعية نشاطات جماهيرية، وأطلقت مبادرة لـ "اليوم الوطني لتراث بيروت" لتكريس هذا الموعد سنوياً والدفع لإقراره من الجهات المعنية، مشدداً على استمرار السعي لإقراره. وعرَضَ لتنظيم الجمعية أمسيات ومحاضرات شملت التراث المادي واللامادي، وتوثيق أصول التسميات لمناطق كالجميزة والزيتونة، مبرزاً الأمسية المميزة بالتعاون مع المعهد الألماني للأبحاث الشرقية (OIB) في زقاق البلاط.
وعن دورهم إثر تداعيات انفجار المرفأ عام 2020، قال دندن إن الانفجار أضر بالكثير من المباني التراثية، فاعتبرت الجمعية أن من شرف المشاركة المساهمة في إحصاء الأضرار. وأوضح أن المديرية العامة للآثار كلفتهم بمسح أضرار البيوت التراثية المأهولة للمساعدة في إصلاحها، فتم تشكيل فريق تطوعي من مهندسين ومصورين بإشراف المهندس المرمم جاد حمود، حيث أجروا خلال أسبوعين مسحاً وتوثيقاً لحوالي 60 بيتاً متضرراً في مناطق ميناء الحصن، وزقاق البلاط، والباشورة.
وأكد دندن استمرار نشاطهم وأرشفتهم رغم الأزمة الاقتصادية وتأسيسهم موقعاً إلكترونياً رسمياً للجمعية. وأشار إلى نيلهم عام 2024 شرف إدارة موقع "يا بيروت" (Ya Beirut) المتخصص بتاريخ المدينة، والذي أسسه المخرج الراحل بلال كبي في التسعينيات. كما لفت إلى استمرار نشاط "قراءة في كتاب" منذ ثلاث سنوات في المكتبة العامة لبلدية بيروت (فرع مونو - الأشرفية) بالتعاون مع جمعية السبيل، رغم الانقطاعات الاضطرارية لظروف الحرب في عامي 2024 و2026.
حماية التراث اللامادي من الاندثار
وفيما يتعلق بالتراث "اللامادي"، أوضح دندن أن الجمعية تعتمد بشكل أساسي على سياسة التذكير المستمر والتوعية الدائمة لحمايته. وقال إنهم يحرصون على التذكير بالعادات، والحرف، والأمثال، وتسليط الضوء على أدوار الشخصيات كـ "القبضاي" و"الحكواتي"، وتوثيق العادات المرتبطة بشهر رمضان، والأعياد، ومواسم الحج، ورأس السنة.
وعرَضَ لجهود التوثيق الرقمي والفن التشكيلي بنشر لوحات فنية بالتعاون مع فنانين تشكيليين تجسد تفاصيل المجتمع كبائع القهوة المتجول، وسهرات العائلة حول "كانون الفحم"، و"صبحيات" النساء، وطقوس "أربعاء أيوب". وأكد السعي لنقل الشغف للأجيال الشابة عبر المدارس وإعداد عروض تقديمية وجولات ميدانية لطلاب مناطق كزقاق البلاط لشرح جماليات ومعايير البيوت التراثية القديمة.
البيت البيروتي: هندسة الدفء في مواجهة عزلة التكنولوجيا
وانتقل دندن بحديثه إلى الذاكرة المكانية، مبدياً حسرة عميقة ومؤكداً أن هندسة البيت البيروتي القديم كانت تعكس قمة في بُعد النظر. وأوضح أن "الدار" (البهو الأوسط) كان القلب النابض ونقطة الالتقاء لجميع أفراد الأسرة كبيرة العدد وللضيوف، نظراً لمحدودية غرف النوم (غرفتين أو ثلاث). واعتبر أنه في غياب التلفاز، كان التواصل الإنساني المباشر هو الأبرز، فتجتمع العائلة للحديث أو للعب "البرجيس" والنوم باكراً.
وأكد دندن أن المعايير تبدلت اليوم، فبات لكل طفل غرفته المستقلة المزودة بالشاشات والهواتف، مما أدى لتفكك الروابط وانشغال كل فرد بعالمه الافتراضي. وأضاف أن تسارع إيقاع الحياة قضى على مساحات الراحة والتزاور التي كانت تلي فترة الظهيرة قديماً، مشيراً إلى فقدان حرارة اللقاء في الأعياد واقتصار التواصل على رسائل "واتساب".
الهجمة العمرانية واغتيال قيم الجوار
وحول أحياء بيروت ونسيجها العضوي، قال دندن بحسرة إنه بات من شبه المستحيل العودة إلى الوراء، حيث تكفلت الهجمة العمرانية بطمس الهوية المعمارية، وزحفت الأبراج الإسمنتية (12 أو 13 طابقاً) على حساب الأحياء الهادئة ذات الطوابق الأربعة.
وعرَضَ لصور التكافل في الماضي حيث كان الجيران عائلة واحدة، تتزين بيوتهم بحدائق الياسمين والقرنفل والفل والغاردينيا وشجرة "الفتنة"، يتبادلون أزهارها قبل المغيب. وأوضح كيف كانت الأحياء تتشارك الأفراح والأحزان كجسد واحد، فتُفتح المنازل للمعزين وتتزين للزفاف. وأكد أن هذه المظاهر تلاشت اليوم بفعل التغير الديموغرافي والنزوح والكثافة السكانية، وبات الجيران بالكاد يعرفون بعضهم.
واعتبر أن التوثيق اليوم بات حسرة على الأجيال الشابة التي لم تعش الألفة، مسلطاً الضوء على قيم وُثقت كاحترام الكبير، وإغاثة الملهوف، والوقوف للمسن في النقل العام (الترامواي أو الحافلات). واستذكر لعب كرة القدم والسلة في أراضي الحي الشاغرة (البور) أيام العطل، مؤكداً أنهم نعموا بهذا الزمن الجميل حتى اندلعت حرب عام 1975 التي أسست لموجة التغييرات العمرانية والديموغرافية والاجتماعية الجارفة.
التوثيق المرجعي واحتضان الأجيال الشابة
وفي محور التوثيق الرقمي والإنتاج البصري، شدد دندن على أن مشروعهم يتسم بجدية تامة، مؤكداً عدم الاقتصار على اجترار الماضي وتغذية النوستالجيا، بل السعي ليكونوا مرجعاً موثوقاً. وأوضح أهمية التدقيق المعمق في الصور والمعلومات وتفاصيل الحدث لتجنب الحكايات الشفوية غير الدقيقة.
وعرَضَ دندن لتحدي ضعف الإمكانات المادية وغياب الدعم والتمويل، والاعتماد حصراً على الاشتراكات الرمزية، لكنه أكد استمرارهم باحتضان طلبة الجامعات لرسائل التخرج والماجستير والدكتوراه بفتح الأرشيف وتوجيههم وتأمين الضيوف لهم وللجهات الإعلامية.
وأشار إلى إصدار الجمعية لنشرة إلكترونية شهرية تحمل اسم "تراث" بلغت إصدارها العشرين، مشيداً بالطفرة الإيجابية لاندفاع الشباب المهتم بالتراث الذي ينتج مقاطع مرئية عن بيروت ومناطق كزاوية "ابن عراق"، والأسواق مثل "الفاكهاني"، و"عنتبلي"، و"مكتبي" للسجاد.
ولفت دندن الانتباه إلى مبادرة "أولاد بيروت" لفتاتين يافعتين (10-12 عاماً)، مؤكداً نظرة الجمعية الإيجابية لمثل هذه الاندفاعة لتشجيعهم وتصويب الأخطاء. كما عرَضَ لتواصلهم مع صناع المحتوى كالشاب "طارق كوة" الذي يمتلك حضوراً جاذباً وعفوياً، موضحاً سعي الجمعية لإرشاده وتصويب هفواته التاريخية، معرباً عن أمله بضمه كعضو فاعل شرط التزامه بالمنهجية العلمية الموثوقة.
لا استسلام رغم الزحف العقاري
وفي ختام قراءته، حذّر الأستاذ زياد دندن من التحدي الوجودي الذي يواجه العاصمة والمتمثل بالزحف العقاري الشرس، حيث يشتري المطورون البيوت التراثية لهدمها وتشييد الأبراج مكانها. واعتبر أن الأثر الأقسى ليس خسارة الحجر فحسب، بل اغتيال النسيج الاجتماعي للمحلة؛ إذ تتلاشى قيم الجوار، ولا يعرف الساكن جاره، وتنحصر الاهتمامات في تأمين خدمات المبنى كالحارس والكهرباء والمياه.
إلا أنه أكد بحزم، أنه رغم قسوة هذا المشهد والتغيرات العاصفة، فإن جمعية تراث بيروت لا ترفع راية الاستسلام ولن تتوقف عن العمل، وستستمر ببذل أقصى جهودها بالحد الأدنى المتاح لديها، لأن حماية ذاكرة بيروت أمانة لا مجال للتفريط بها.
أجرى اللقاء: نبيل شحاده

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook