بين وقف الضربة الأميركية وحسابات نتنياهو: هل يصمد اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل؟
زياد سامي عيتاني - لا تمثل الجولة الجديدة من المفاوضات غير المباشرة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في روما (4–6 آب) مجرد اجتماع تقني لاستكمال البحث في ملفات الجنوب. بل إنها تشكل محطة سياسية وميدانية مفصلية لاختبار مدى قدرة «اتفاق الإطار» المُوقع في واشنطن في 26 حزيران الماضي على الانتقال من النصوص النظرية إلى الوقائع الميدانية.
فبعد أشهر من المواجهات والتفاهمات المتلاحقة، دخلت المفاوضات مرحلة أكثر تعقيداً ترتكز على آليات التنفيذ، وتحديد جدول الانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة اللبنانية، وترتيبات الأمن الحدودية، وتوسيع ما يُعرف بـ«المناطق التجريبية». وتشير المعطيات إلى أن جولة روما ستناقش بصورة أساسية هذه الأطر برعاية أميركية واستضافة إيطالية.
•بين "تأجيل الضربة الأميركية" والحسابات الانتخابية لنتنياهو
تُضيف التحركات الدولية والإقليمية بعداً جديداً إلى طاولة المفاوضات؛ إذ يرى مراقبون أن قرار الإدارة الأميركية بتأجيل الضربة العسكرية ضد إيران لإتاحة الفرصة للدبلوماسية يمنح مفاوضات روما هامشاً من التهدئة الإقليمية. هذا التراجع عن التصعيد الكبير يسهم في خفض مستوى التوتر الشامل، مما قد يوفر بيئة أكثر ملاءمة للوفدين اللبناني والإسرائيلي للتركيز على الآليات التقنية وتوسيع "المناطق التجريبية" بعيداً عن ضغوط الانفجار الإقليمي.
لكن في المقابل، يبرز الحساب السياسي الداخلي للرئيس بنيامين نتنياهو كعائق رئيسي أمام أي خرق ملموس؛ فمع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي وشراسة التنافس الداخلي، يخضع المفاوض الإسرائيلي لضغوط اليمين المتطرف المتمسك بسقف عالٍ من الشروط الأمنية. هذا الواقع قد يدفع نتنياهو إلى التصلب في طروحاته وتأخير تنفيذ الانسحابات المتبادلة، محاولاً توظيف التشدد التفاوضي للإطاحة بمرونة "اتفاق الإطار" وتسويق نفسه أمام الشارع الإسرائيلي كحارسٍ للشرط الأمني، مما يضع نتائج جولة روما أمام اختبار دقيق بين فرصة التهدئة الإقليمية ومخاطر الابتزاز الانتخابي الداخلي.
من الدبلوماسية النظرية إلى الميدان
تميزت الجولات السابقة بصياغة الأطر السياسية العامة، أما الجولة الحالية فتخوض في التحدي الأكبر، أي التنفيذ العملي، وهي المرحلة الأكثر حساسية كونها تضع جميع الأطراف أمام استحقاقات ملموسة:
-الجانب اللبناني: يسعى إلى ترجمة التزامه بتعزيز انتشار الجيش اللبناني وبسط سلطة الشرعية، مقابل التزام إسرائيلي واضح بالانسحاب التدريجي، ووقف الانتهاكات، وبدء معالجة النقاط الخلافية على طول الحدود.
-الجانب الإسرائيلي: يميل إلى ربط خطوات الانسحاب بتقييمات أمنية وإجراءات ميدانية مشروطة، مما يمنحه هامشاً للمناورة وإبطاء جدول التنفيذ بحجة الضمانات الأمنية.
واشنطن وحسابات الاستقرار
بعكس المفاوضات السابقة التي ركزت على احتواء التصعيد، تبدو الإدارة الأميركية اليوم معنية بتحويل الاتفاق إلى إنجاز استراتيجي ملموس.
فواشنطن لا تكتفي بآليات الوساطة التقليدية، بل تتجه نحو تثبيت بيئة أمنية جديدة على الحدود الجنوبية تضمن استقراراً طويل الأمد ويمنع العودة إلى مربع المواجهة. ومن هنا يُفهم اختيار روما مقراً لهذه الجولة، حيث تتوافر بيئة دقيقة تسمح بعقد اجتماعات سياسية وعسكرية وفنية متزامنة بعيداً عن الضغوط الإعلامية.
اختبار قدرة الدولة ومعادلة الأمن والسيادة
الرهان في هذه الجولة لا يقع على عاتق الشروط الإسرائيلية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى مدى قدرة الدولة اللبنانية على إثبات حضورها كمرجعية حصرية لإدارة الملف الأمني في الجنوب.
فكلما نجح الجيش اللبناني في توسيع انتشاره وتثبيت خططه، زادت قدرة بيروت على فرض شروطها وحشد الدعم الدولي لإعادة الإعمار. وتكمن المعضلة الرئيسية في محاولة التوفيق بين مفهومين متوازيين:
-مفهوم الأمن: كما تراه تل أبيب وواشنطن، والقائم على الترتيبات والضمانات الميدانية الصارمة.
-مفهوم السيادة: كما يراه لبنان، والذي يبدأ بإنهاء الاحتلال، وقف الانتهاكات، وبسط السلطة الشرعية على كامل الأراضي.
«المناطق التجريبية» ومسار ما بعد روما
تُشكل «المناطق التجريبية» محور النقاش الفني الأساسي في روما، كونها الاختيار الميداني الذي سيُقاس عليه نجاح الاتفاق برمته. وتسعى واشنطن لتوسيع هذا النموذج تدريجياً، بينما يصر لبنان على أن يترافق أي توسيع مع جدول انسحابات إسرائيلية متبادلة ومحددة زمنياً.
من غير المتوقع أن تنتهي جولة روما باتفاق نهائي شامل، لكنها ستضع خريطة الطريق للمرحلة المقبلة:
-في حال التوافق: سيتكرس المسار التنفيذي عبر فتح الباب أمام انسحابات جديدة وتوسيع نطاق انتشار الجيش.
-في حال التعثر: ستتحول المفاوضات من مسار الحل الدائم إلى مسار "إدارة الأزمة" خشية انفلات الأوضاع الميدانية.
تستمد مفاوضات روما أهميتها من كونها الاختبار العملي الأول لمرحلة ما بعد اتفاق الإطار. فهي ليست مجرد جولة تفاوضية، بل محاولة لتحديد هوية المرحلة القادمة في الجنوب: هل تنتقل المنطقة إلى معادلة ترتكز على سيادة الدولة والضمانات الدولية، أم تبقى رهينة التوازنات العسكرية والهواجس الأمنية؟

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook