قراءة في أداء الرؤساء والوزراء وقادة المؤسسات العامة في تاريخ لبنان

قراءة في أداء الرؤساء والوزراء وقادة المؤسسات العامة في تاريخ لبنان

 

عبد الفتاح خطاب - تحديد "الأبرز" في تاريخ المناصب السياسية والمالية والعسكرية في لبنان منذ الاستقلال وحتى اليوم هو أمر بالغ التعقيد، ويخضع دائماً للنقاش والجدل السياسي، حيث لا يوجد إجماع وطني أو علمي حول شخصية واحدة في أي منصب.

التقييمات تُبنى على الإنجازات التاريخية والاستقرار والإصلاحات والتأثير العام، مع الاعتراف بأن "الأبرز" يختلف حسب الرؤى السياسية والطائفية في لبنان. ومع ذلك، إذا اعتمدنا معيار الأثر الإيجابي طويل المدى على الدولة ومؤسساتها، فإن الأسماء التالية تحظى باحترام واسع بين المؤرخين والباحثين.

في المقابل، لا يدّعي هذا التقييم تقديم أحكام نهائية أو تمثيل إجماع وطني، بل يستند إلى معيار بناء المؤسسات والأثر طويل المدى في أداء الدولة، وهو أحد المعايير الممكنة بين معايير عديدة أخرى.

 

أبرز رئيس جمهورية

ومن بين كل المناصب الدستورية، يرى عدد كبير من المؤرخين والباحثين أن أبرز شخصية رئاسية في إرساء العمل المؤسساتي كان الأمير اللواء فؤاد شهاب (1958 – 1964). جاء إلى الرئاسة بعد أن أرسى قواعد الجيش اللبناني الحديث كقائد له بين عامي 1945-1958. يُلقب بـ"باني الدولة الحديثة"، وقد عزز إنشاء وتطوير مؤسسات حديثة مثل مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي والضمان الاجتماعي، فيما أُنشئ مصرف لبنان خلال العهد الشهابي وأصبح أحد ركائز الإصلاح المؤسساتي والمالي. شهد عهده استقراراً نسبياً ونمواً اقتصادياً بعد أزمة 1958، مع الحرص على التوازن الطائفي والإنماء المتوازن ومحاربة الفساد.

 

أبرز رئيس مجلس نيابي

وإذا كان رئيس الجمهورية يمثل الرأس التنفيذي الأول، فإن رئيس المجلس النيابي يُعدّ الركيزة التشريعية والتوازنية في النظام اللبناني. إلى جانب كامل الأسعد وحسين الحسيني، يرى كثير من الباحثين أن صبري حمادة (ترأس المجلس في مراحل متعددة منذ عهد الاستقلال وحتى السبعينيات) يُعد من أبرز رؤساء المجلس النيابي. وقد كرّست شخصيته القوية موقع رئاسة المجلس كركيزة دستورية مستقلة نسبياً عن مراكز النفوذ التنفيذية، وساهمت في استقرار المؤسسات قبل الحرب بعمله المستقل واحترامه للأصول الدستورية.

 

تمسّك كامل الأسعد بالدستور في أصعب الظروف، ويُذكر حسين الحسيني لدوره في اتفاق الطائف. أما نبيه بري فيُعتبر الأكثر تأثيراً من حيث طول الولاية (منذ 1992) وقدرته على إدارة التوازنات السياسية المعقدة، رغم الجدل الذي يحيط بتحالفاته وأسلوبه في إدارة الجلسات.

 

أبرز رئيس حكومة

أما السلطة التنفيذية اليومية فتتمثل في رئاسة الحكومة. وهنا تظهر شخصيات تركت بصمة واضحة في مرحلة ما بعد الحرب.

حققت حكومات الرئيس رفيق الحريري (1992-1998 و2000-2004) قفزة نوعية في تاريخ لبنان المعاصر. أطلقت أكبر عملية إعادة إعمار بعد الحرب الأهلية، وأعادت تأهيل البنية التحتية وبناء وسط بيروت، وساهمت في إعادة ربط لبنان بالأسواق والمؤسسات المالية العربية والدولية. ورغم الجدل حول الدين العام والفساد، فإنه يبقى من أكثر الشخصيات تأثيراً في مرحلة إعادة بناء البلاد بعد الحرب الأهلية.

يُذكر أيضاً رياض الصلح كأول رئيس حكومة بعد الاستقلال، ورشيد كرامي الذي ترأس عدة حكومات بارزة لا سيما في العهد الشهابي، وسليم الحص لنزاهته في ظروف الحرب.

 

أبرز وزير خارجية

وبجانب بناء المؤسسات الداخلية، لعب لبنان دوراً دبلوماسياً لا يُستهان به على الساحة الدولية. ومن أبرز من مثل هذا الدور شارل مالك، وهو شخصية دبلوماسية وفلسفية فذة، وضع اسم لبنان في مصاف الدول العالمية عبر مساهمته البارزة في صياغة "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" عام 1948 في الأمم المتحدة. كما ترأس الجمعية العامة للأمم المتحدة بين عامي 1958 و1959.

يجدر بالذكر فؤاد بطرس الذي لقب بـ "ثعلب الدبلوماسية اللبنانية". قاد الخارجية في فترات عصيبة جداً خلال الحرب الأهلية. تميز بصلابته، وساهم في ترسيخ نهج دبلوماسي متوازن للبنان. تمتع بعلاقات دولية واسعة واحترام عربي ودولي، وأظهر قدرة لافتة على حماية مصالح لبنان والدفاع عن سيادته في المحافل العربية والدولية.

 

أبرز وزير داخلية

أما على الصعيد الداخلي، فقد برزت شخصيات في وزارة الداخلية تميزت بالنزاهة والإصلاح في ظروف صعبة.

 

عُرف ريمون إده (1958 - 1959)، بـ "ضمير لبنان"، تميز بالنزاهة الصارمة، وسعى إلى تعزيز تطبيق القانون ومكافحة المحسوبيات الإدارية خلال فترة توليه القصيرة للوزارة في حكومة التوازن الرباعية.

يجدر بالذكر كمال جنبلاط (في الستينيات)، حيث أطلق إصلاحات إدارية وانتخابية مهمة، وعُرف بالنزاهة والرؤية الإصلاحية. وزياد بارود (2008 -2011)، الذي حظي بإجماع شعبي وتأييد واسع كوزير تكنوقراط أحدث خرقاً في الأداء التقليدي. فقد أدار بنجاح وانتظام الانتخابات النيابية لعام 2009 في يوم واحد وبأعلى معايير الشفافية، وركز على تفعيل البلديات والإصلاح الإداري.

 

أبرز وزير مالية

وإلى جانب الأمن الداخلي، كان الإصلاح المالي والاقتصادي من أكبر التحديات التي واجهت لبنان. ويرى عدد من الاقتصاديين أن جورج قرم (1998 - 2000) يُعد من أبرز وزراء المالية الذين طرحوا رؤية إصلاحية طويلة الأمد. ويُعد مفكراً اقتصادياً بارزاً حاول معالجة الاختلالات المالية البنيوية، وحذر مبكراً من مخاطر تضخم الدين العام والسياسات المالية غير المستدامة. عمل بجدية على إدخال نظام ضريبي حديث (التمهيد لإدخال الضريبة على القيمة المضافة)، وحاول ترشيد الإنفاق العام وضبط عجز الموازنة ومكافحة الهدر برؤية علمية واضحة.

يجدر بالذكر إلياس سابا (1970 – 1972) الذي حظي بتقدير كبير بين المختصين لدوره الإصلاحي، واشتهر بجرأته الاقتصادية ومحاولته كسر الاحتكارات وتعديل التعرفة الجمركية لحماية الإنتاج المحلي (ما عُرف بـ "المرسوم 1943").

 

أبرز حاكم مصرف لبنان

ولأن الاستقرار الاقتصادي والمالي كان دائمًا أحد أعمدة لبنان، لا بد من الحديث عن أبرز من أدار المؤسسة المالية الأولى في البلاد: إلياس سركيس (1967-1976) عُيّن حاكماً للمصرف المركزي بعد أزمة "بنك انترا" الشهيرة، وقاد المصرف في فترة مضطربة نجح فيها بإعادة الثقة بالقطاع المصرفي وحماية الليرة والاحتياطي من الذهب، الذي ما زال صمام الأمان للاقتصاد اللبناني حتى اليوم. ويُستشهد بعهده باعتباره من الفترات التي حافظ فيها المصرف المركزي على استقلالية نسبية ومصداقية مرتفعة مقارنة بالمراحل اللاحقة، فيما يضع بعض الباحثين ميشال الخوري أيضاً ضمن أبرز حكام المصرف المركزي لدوره في ترسيخ الاستقرار النقدي خلال مرحلة ازدهار الاقتصاد اللبناني.

 

وعلى مقلبٍ آخر، لا يمكن الحديث عن حماية المؤسسة النقدية دون إنصاف تجربة الدكتور إدمون نعيم، الذي تولى حاكمية المصرف في أصعب فترات الحرب الأهلية (1985 – 1990). فرغم انقسام البلاد والمؤسسات، نجح نعيم في الحفاظ على استقلالية المصرف المركزي، مسجلاً موقفاً تاريخياً برفضه الخضوع لتهديدات القوى المسلحة والمليشيات للصرف من أموال الدولة، ليظل عهده نموذجاً في حماية احتياطي الذهب والذود عن مالية البلاد وسط أمواج الفوضى.

 

أبرز قائد جيش

ومن المؤسسات المالية إلى المؤسسة العسكرية، التي شكّلت دوماً صمام الأمان للكيان اللبناني. يُعتبر اللواء فؤاد شهاب (1945 – 1958) الأب الروحي للجيش اللبناني الحديث وبانيه كمؤسسة وطنية جامعة. وقد حافظ على تماسك المؤسسة، ونجح في الحد من انخراطها المباشر في الانقسام السياسي الحاد الذي شهدته البلاد في أزمات الخمسينيات، ورفض زجه في الصراعات السياسية. وقد ساهم ذلك في الحفاظ على وحدة المؤسسة وحماية كيان الدولة من الانهيار المبكر، وشكّل نموذجاً للقيادة المهنية غير الحزبية. وقد استكمل مشروعه الوطني لاحقاً كرئيس للجمهورية (1958-1964).

 

أبرز رئيس للجامعة اللبنانية

  "إذا كانت الجامعة اللبنانية قد انطلقت بنواتها الأولى عام 1951 مع الدكتور خليل الجر، فإن البروفيسور فؤاد أفرام البستاني (1953 – 1970) يُعتبر بلا منازع باني عصرها الذهبي ومؤسس هيكلها الأكاديمي والبحثي الحديث. تولى البستاني رئاسة الجامعة لقرابة سبعة عشر عاماً متواصلة، نجح خلالها في نقلها من مجرد معهد للمعلمين إلى صرح جامعي وطني متكامل يضم كليات ومعاهد متعددة. لم يقتصر إنجازه على التوسع الجغرافي والأكاديمي، بل أسس 'منشورات الجامعة اللبنانية' التي رفدت المكتبة العربية بأمهات الكتب والأبحاث. وبفضل رؤيته، تحولت الجامعة في عهده إلى واحة للتميز الأكاديمي والبحث العلمي، وصمام أمان للثقافة الوطنية والاجتماعية في لبنان."

 

بين التقييم والواقع الطائفي

ومن هنا، فإن وصف أي شخصية بأنها «الأبرز» لا يعني بالضرورة أنها كانت الأفضل في كل الجوانب، بل إنها تركت أثراً مؤسساتياً أو وطنياً أكثر وضوحاً واستدامة من غيرها وفق المعيار المعتمد في هذا التقييم.

 

إن التجربة اللبنانية تُظهر أن نجاح المسؤول لا يُقاس فقط بطول بقائه في المنصب أو حجم نفوذه السياسي، بل بقدرته على بناء المؤسسات وترك أثر مستدام يتجاوز الأشخاص والظروف. ومن هذا المنطلق جاءت هذه الاختيارات التي تبقى قابلة للنقاش والمراجعة، شأنها شأن معظم القراءات التاريخية في لبنان، حيث تتداخل الوقائع مع الانتماءات السياسية والطائفية في الحكم على التجارب والشخصيات العامة.