عبد الفتاح خطاب يفتح ملفات ذاكرة بيروت وتحديات وآلام الاغتراب
أجرى الحوار: نبيل شحاده - تُشكّل شخصية الكاتب السياسي اللبناني البيروتي عبد الفتاح خطاب مادة حوارية ثرية واستثنائية. فهو يجمع بين الرؤية التوثيقية والتحليلية المباشرة للواقع البيروتي واللبناني، وبين معايشة تجربة اغتراب طويلة ومتعددة المحطات. تنقل على مدى عقود بين دول الخليج وسويسرا وبريطانيا وإفريقيا ضمن مهام عمله، وأقام في كندا، ثم عاد إلى لبنان، قبل أن يستقر مجدداً في كندا لأسباب عائلية.
هذه التجربة المترددة بين العودة والرحيل تجعل منه شاهداً مميزاً على تحولات الهجرة اللبنانية والبيروتية عبر العقود. يرصد بقلمه البيروتي الحاضر تفاصيل هذا التنقل وتداعياته الإنسانية والاجتماعية. ومن موقعه المركّب بين ذاكرة العاصمة وأوجاعها، وتجارب الاغتراب المتعددة، يفتح الكاتب لموقع "نستراك" أوراق قضية الهجرة من زواياها المختلفة: بدءاً من دوافع تفريغ بيروت من نخبها وكفاءاتها، مروراً بالتحديات النفسية والاجتماعية وإشكاليات التكيف والتربية في الشتات، وصولاً إلى الدور المرتقب للمغتربين في رسم مستقبل لبنان وإمكانية العودة الحقيقية.
وإن كنا قد درجنا في لقاءاتنا ومقابلاتنا الصحفية على تلخيص الأجوبة واختصارها لضبط حجم المقال، إلا أننا، ونظراً لأهمية ما أورده الأستاذ خطاب، وارتباطه الوثيق بوجدانيات كل مغترب لبناني وبيروتي، وأمام صدق الأحاسيس ودقة التعابير التي حملتها إجاباته، ارتأينا أن ننشر هذه المقابلة كاملة بنصّها الحرفي.
المحور الأول: أسباب الهجرة وتفريغ العاصمة بيروت
1. ما الذي يجعل البيروتي واللبناني عموماً، حتى بعد سنوات اﻻستقرار في وطنه، قلقاً ومستعداً لحمل حقائبه والرحيل من جديد؟
جواب: يقف خلف هذا القلق المزمن حزمة من العوامل المتراكمة. في مقدمتها تاريخ لبنان الحافل بالأزمات المتلاحقة والمفاجئة، الذي أورث اللبناني قناعة راسخة بأن الهدوء مجرد استراحة مؤقتة بين عاصفتين، وأن مؤسسات الدولة لا توفر شبكة أمان حقيقية عند وقوع الأزمات.
إن تجارب الأجيال المتلاحقة مع الحروب والانهيارات الاقتصادية وفقدان المدخرات جعلت خيار الرحيل استراتيجية بقاء مجرّبة، أثبتت كفاءتها في كل أزمة. يضاف إلى ذلك تاريخ الاغتراب اللبناني العريق وانتشار الجاليات في أنحاء العالم، ما جعل ثقافة الاغتراب مقبولة وسهّل اتخاذ القرار. كما أن إتقان اللغات الأجنبية ومرونة التكيف الحضاري والتجاري جعلا المجتمع اللبناني بطبعه مجتمعاً عابراً للحدود، يرى في العالم الخارجي مساحة طبيعية لنشاطه وليس مكاناً غريباً.
والأهم أن اللبناني لم يعد يسأل فقط: "هل أنا آمن اليوم؟"، بل يسأل: "هل يستطيع أولادي أن يبنوا مستقبلهم هنا؟". وهنا تتحول الهجرة من بحث عن حياة أفضل إلى بحث عن حياة يمكن التخطيط لها أصلاً.
أما البيروتي تحديداً، فماذا تنتظر منه وهو يرى مدينته تتغير أمام عينيه، في تركيبتها الاجتماعية والديموغرافية والاقتصادية والعمرانية، وفي ذاكرتها وتقاليدها وعاداتها؟ وماذا تنتظر منه حين يصبح السكن في مدينته حلماً تعجيزياً، والعمل فيها أكثر صعوبة، حتى في مؤسساتها العامة (كبلدية بيروت ومصلحة مياه بيروت وفوج إطفاء بيروت)، وحين تصبح الخدمات العامة عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة؟
حين يشعر البيروتي أن مدينته لم تعد قادرة على تأمين المسكن والعمل والخدمات والاستقرار، يصبح الرحيل بالنسبة إليه أقل شبهاً بقرار مغادرة، وأكثر شبهاً بقرار إنقاذ.
2. ما الفارق الذي تلمسونه بين هجرتكم الأولى في الثمانينيات وموجة الهجرة البيروتية واللبنانية اﻷخيرة؟ وهل ترون خروج الكفاءات الحالي مجرد ظاهرة عابرة أم تفريغاً نخبويّاً دائماً للعاصمة؟
جواب: لا أسمي مرحلتي الأولى هجرة بالمعنى القسري، بل كانت فرصة للعمل في مجال تخصصي بعدما ضاق سوقه المحلي وانفجار الحرب الأهلية، ومناسبة لتأسيس الذات ورعاية العائلة ودعم الأهل.
أما الانتقال إلى كندا فجاء حين بلغت الأوضاع حداً بتّ أخشى فيها أن أستيقظ يوماً لأجد وثائقنا الثبوتية وجوازات سفرنا اللبنانية غير معتمدة عالمياً. فاغتنمت فرصة تشجيع كندا لهجرة الكفاءات، ونلت وعائلتي الجنسية الكندية عام 1992.
الفارق اليوم أن الهجرة أصبحت نتيجة مباشرة لانهيار شروط الحياة نفسها. هجرات اللبنانيين الحالية ناتجة عن ظروف اقتصادية وأمنية ومعيشية خانقة. هناك مواطنون فقدوا كل ما يملكون ولا يرون بصيص أمل في فرصة لإعادة الإقلاع داخل وطنهم.
أما خروج الكفاءات فهي ظاهرة مرشحة للاستمرار طالما أن سوق العمل اللبناني غير قادر على استيعاب المتخرجين سنوياً، وطالما أن البيارتة بشكل خاص غير قادرين على العيش والعمل في مدينتهم. والأخطر أن المهاجرين لا يرحلون بمفردهم؛ بل يأخذون معهم أبناءهم ومستقبل أسرهم، ومع الوقت يقل احتمال العودة، ويضعف التواصل بين أفراد العائلة في بيروت والمهجر، ويضيع الرابط العضوي ببيروت؛ لتتحول من نزيف الكفاءات المؤقت إلى إعادة توزيع دائمة للرأسمال البشري اللبناني.
لذلك، لم يعد هذا التفريغ عابراً، بل أصبح تفريغاً نخبويّاً شبه دائم يفرّغ العاصمة من طاقاتها المنتجة، ويضعف قدرتها على تجديد نفسها من الداخل.
3. كيف يؤثر هذا الترحال المستمر واغتراب العائلات البيروتية على النسيج الاجتماعي والثقافي لبيروت، وعلى مستقبل مؤسساتها التاريخية والأهلية؟
جواب: بإيجاز، وبأسى أقول: ستتغير صورتها، وقد تفقد جزءاً من هويتها وذاكرتها تدريجياً، مع تراجع مؤسساتها العريقة وتغير وظائفها وتركيبتها الاجتماعية. الجمعيات الأهلية، والنوادي، والمدارس، والأوقاف، والذاكرة الشفهية... كلها مهددة بالضعف أو الاندثار أو التحوّل.
فالمدن لا تُفرَّغ من سكانها فقط؛ بل تُفرَّغ أيضاً من ذاكرتها، ومن شبكاتها الاجتماعية، ومن الأشخاص الذين كانوا يعرفون احتياجاتها وكيف يديرون مؤسساتها ويحفظون تقاليدها.
لكن هذا المصير ليس قدراً محتوماً إذا تداعت الطاقات البيروتية الحيّة لشدّ أواصر أهلها، وتوحيد رؤيتهم ومصالحهم، واسترداد مدينتهم كفضاء مشترك يتجاوز الانتماءات الضيقة. بيروت لا تحتاج فقط إلى مشاريع عمران خرساني، بل تحتاج إلى مشروع مجتمعي يحافظ على أهلها وذاكرتها ومؤسساتها، ويعيد إليها دورها كمدينة يعيش فيها أبناؤها، لا كمدينة يزورونها في المناسبات.
بيروت تحتاج إلى إعادة بناء العقد الاجتماعي والشبكات الأهلية التي تحفظ ذاكرتها، وتجعل العودة إليها استثماراً في المستقبل، لا مجرد زيارة حنين لمقابر الأهل والمنازل القديمة، ولتناول الطعام والحلويات اللبنانية.
المحور الثاني: معضلة التكيف والإشكاليات النفسية والاجتماعية في اﻻغتراب
1. ما هي التحديات الفريدة التي تواجه اللبناني في كندا تحديداً لإعادة بناء ذاته وتوفير بيئة آمنة لعائلته؟
جواب: يبدأ طموح المهاجرين الجدد إلى كندا بحلم كبير، لكنه قد يصطدم بصدمة واقعية وصراع يومي نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة، أزمة السكن، والضغط على الخدمات الأساسية وفي مقدمتها الرعاية الصحية.
في لبنان، يعتمد النموذج المالي بشكل أكبر على الادخار والعلاقات العائلية والشخصية، بينما يُدار الاقتصادي الكندي عبر الائتمان. يصل الوافد الجديد دون أي تاريخ ائتماني، فيصعب عليه الحصول على التمويل أو الخدمات المالية بالشروط المتاحة للمقيم القديم، ما يشكل عقبة أمام الاستثمار وبدء الأعمال.
أمّا مهنياً، فيصطدم المهاجر بعدم اعتراف مباشر بالشهادات التي يحملها، وبـ "عقدة الخبرة الكندية" التي تشترط ممارسة العمل داخل السوق المحلي حصراً. ومهما كانت خبرته السابقة غنية، فإنها لا تُحسب بوزنها المعهود. وهنا تحدث المفارقة المؤلمة: ينحدر المهاجر غالباً من طبقة وسطى أو مهنية مستقرة في بلده، ليرى نفسه مضطراً لإعادة بناء موقع اقتصادي واجتماعي من الصفر. الهجرة لا تنقل الإنسان جغرافياً فحسب، بل تعيد ترتيب مكانته المهنية والمجتمعية.
تُضاف إلى ذلك التحديات التربوية والاجتماعية: اختلاف المناهج والمقاربات (خاصة في موضوعات القيم الأسرية والتربية)، اتساع الفجوة بين الأجيال، وصعوبة الحفاظ على اللغة العربية لدى الأبناء. كما أن قسوة المناخ، والضغوط اليومية، وغياب شبكة الدعم العائلي تخلق عبئاً نفسياً كبيراً، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف السفر التي تجعل التواصل المباشر مع الوطن معتمداً غالباً على الشاشات الافتراضية.
ورغم ذلك، فإن من يمتلك مرونة التكيف والقدرة على البدء من الصفر يجد فرصاً حقيقية، تدعمها شبكات تضامن لبنانية وعربية في بعض المدن الكندية يخفف وجودها من حدة الغربة.
وأريد أن أضيف "جرس إنذار"، بغضّ النظر عن الأسباب والعوامل، فإن التقارير والدراسات والإحصائيات في كندا، تُشير إلى أن نسبة الانفصال والطلاق في العائلات في كندا هي الأعلى لدى العائلات المُسلمة وخاصة العربية.
2. كيف يتعايش الكاتب والمثقف مع صراع "عقدة الذنب" لترك بلده ومدينته وناسه يواجهون المصير المجهول، في مقابل شعور اﻻستقرار والأمان الأسري في اﻻغتراب؟
جواب: يقول لي البعض: هنيئاً لك وجودك في كندا بعيداً عما يجري في لبنان. كيف "نيّالي"؟ وهل أشعر حقاً بالأمان وراحة البال وأستمتع بالأجواء الهادئة، فيما ابني وعائلته، وأشقائي وشقيقاتي وأصدقائي وزملاء العمل السابقين، وعائلة زوجتي، جميعهم يعانون الأمرّين في لبنان كل يوم وفي كل أمر، وأنا لا أتمكن من رفع الضيم والأذى والمعاناة عنهم أو تقديم المساعدة الكافية؟
كيف "نيّالي" وقد فقدت شقيقتي الكبرى، ثم فقدت زوج شقيقتي الصغرى، وفقدت رفاق عمر وأصدقاء أعزاء، ولم أكن إلى جانب من فقدتهم ولا في وداعهم؟
سواء كتبتُ بمرارة جادة أو بسخرية سوداء عن وجع الناس، فإنني أدرك أن أهلنا يحتاجون لما هو أكثر من صياغة مشاعرهم ومظلوميتهم؛ فالكتابة في وضعنا الراهن هي أضعف الإيمان. ومع ذلك، أحاول تحويل هذا الشعور بالذنب إلى دافع للاستمرار في نقل الحقيقة والمساهمة بقدر المستطاع.
إن انغماسي في تفاصيل الشؤون والشجون اللبنانية البيروتية يدفع البعض للظن بأنني مقيم في بيروت. فاغتراب الجسد لا يلغي انتماء الروح، بل يجعله أحياناً أكثر إيلاماً لأنك ترقب وطنك يحترق من بعيد وتتحسر على قلة الحيلة، ولا تملك إلا القلم والكلمة. لقد رحلتُ عن بيروت بجسدي... لكنني لم أستطع يوماً أن أخرج بيروت مني.
3. في ظل هذا التشتت الجغرافي للأسرة والعيش في مجتمعات غربية منفتحة، كيف يُحافظ البيروتي على الهوية والذاكرة لدى الأبناء؟ وكيف ترون مفهوم "العودة النهائيّة" بعد كل هذه المحطات؟
جواب: هذه المعاناة جزء من تحدٍّ أكبر يتعلق بالهوية واللغة والمنظومة الأخلاقية. للأسف، لا يجمع الجاليات البيروتية في المهجر، غالباً، رابط مؤسسي صلب يتجاوز المناسبات العابرة. والدرس الأكثر مرارة في الاغتراب هو أنه "ما حدن لحدن"، وأن الاعتماد على الذات أصبح هو الأصل.
تتصدى كل أسرة لهذه المحنة بطريقتها: عبر التحدث بالعربية في المنزل، ونقل التقاليد والمأكولات، وممارسة الشعائر الدينية، واستغلال العطلات لزيارة لبنان كلما أمكن. لكن الهوية لا تحيا بالشعارات؛ فإذا لم يستمع الأبناء لتاريخ عائلتهم ومدينتهم، وإذا لم يتعلموا لغتهم، فستتضاءل الذاكرة مع كل جيل جديد. بل إن بعض الأسر تشعر بأن خطر فقدان الأبناء يستدعي العودة إلى الوطن بأي ثمن، حتى لو كان انتقالاً اضطرارياً "من تحت الدلفة إلى تحت المزراب".
أما "العودة النهائية"، فمعناها يختلف من شخص لآخر. البعض يحلم بعودة كاملة، وآخرون يفضلون عودة موسمية أو استثمارية، لكن الرهان الحقيقي يكمن في الجيل الثاني: كيف نزرع فيه "هوية مرنة" تحترم مجتمعه الجديد، وفي الوقت نفسه لا تتنكر لجذوره البيروتية؟
بالنسبة لي، فالعودة مرهونة بظروفي العائلية الخاصة. وعلى أي حال، العودة ليست قراراً عاطفياً محضاً؛ فالإنسان يحتاج كي يستقر، إلى تدبير أمور معيشته ولإقامته، وإلى دولة وأمن وقضاء واقتصاد. لذا، أرى أن "العودة النهائية" اليوم تبقى بالنسبة للكثيرين حلماً مؤجلاً أكثر منها خطة قابلة للتنفيذ.
المحور الثالث: دور المغترب ومستقبل لبنان
1. كيف يمكن استغلال خبرات المغتربين الذين خبروا العمل في أفريقيا والخليج والغرب لتشكيل قوة ضغط وتغيير حقيقية لبناء لبنان، وهل هذا ممكن في ظل التجاذبات السياسية في الداخل اللبناني؟
جواب: المغتربون اللبنانيون ثروة هائلة من الخبرات والعلاقات والإمكانات المالية، ويمكنهم تشكيل قوة ضغط خارجية ونواة تغيير داخلية لا يُستهان بها.
لكن العقبة الكبرى تكمن في انقطاع الصلة المؤسسية؛ فبعد عشر سنوات على إقرار قانون استعادة الجنسية اللبنانية للمنحدرين من أصل لبناني، لم يستعدها سوى 952 شخصاً فقط من بين ملايين المغتربين والمتحدرين، وهو رقم هزيل يعكس عمق أزمة الثقة بالدولة.
لا ينبغي أن يُنظر إلى المغترب كـ "صراف آلي" يُلجأ إليه عند الأزمات لضخ السيولة، بل كشريك كامل المواطنة والرأي والتخطيط في رسم مستقبل بلاده، لا أن يُمنع من المشاركة في الاقتراع في الانتخابات النيابية، على سبيل المثال.
وللأسف، انتقلت التجاذبات السياسية من الداخل إلى الجاليات في الخارج، فبدلاً من أن تكون الجاليات جسوراً للتغيير، تحول بعضها إلى امتداد للانقسامات المحلية.
لا يمكن استثمار طاقات المغتربين إلا إذا ترفعوا عن الانتماءات الضيقة، وانتقلوا من النوستالجيا العاطفية إلى رؤية عملية لبناء دولة المواطنة. والمغترب ليس مجرد ممول، بل شريك أصيل في صياغة مستقبل بلده، وهذا يستوجب إصلاحات سياسية وقضائية ومالية حقيقية تجفف بؤر الفساد وتستعيد الثقة.
2. كيف يمكن للبنان أن يستعيد عافيته مستقبلاً، بينما النسبة الأكبر من طبقته الوسطى والمنتجة موزعة بين دول العالم؟
جواب: لقد اضمحلت الطبقة الوسطى التي تشكل المحرك الأساسي للاستهلاك والاستثمار والابتكار. وحتى تحويلات المغتربين، رغم أهميتها القاطعة، لم تعد قادرة وحدها على تعويض الانهيار الصادم في القدرة الشرائية. إضافة إلى أنها انخفاض حجمها بسبب ظروف البلدان التي يقيم فيها المغتربون.
المأساة أن لبنان لا يفقد أبناء طبقته الوسطى فحسب، بل يفقد أجيالهم القادمة أيضاً. فخروج الطبيب، والمهندس، والأستاذ، وصاحب المبادرة، يعني خسارة للضرائب، والخدمات، والفرص، والنسيج المجتمعي المنتِج.
استعادة العافية لا تتم عبر القروض والمساعدات المؤقتة، بل تتطلب إصلاحاً مصرفياً وقضائياً جذرياً، وبيئة أعمال مشجعة، وتعليماً يواكب سوق العمل، ودعماً للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتوجيه التحويلات نحو الاستثمار الانتاجي لا الاستهلاكي المباشر. إن إعادة بناء الطبقة الوسطى تحتاج إلى إعادة بناء "الدولة" التي تجعل البقاء خياراً عقلانياً، لا تضحية بطولية.
3. ما الكلمة التي توجهونها لأبناء بيروت والوطن المتمسكين بالبقاء تحت الضغوط، ولإخوانهم الذين توزعوا في أرجاء الاغتراب؟
جواب: أقول لأبناء بيروت الصابرين: لا تتركوا بيروت التي عرفناها وعشنا فيها تتحول إلى مجرد ذكرى بعيدة. حافظوا على بيوتكم وذاكرتكم ومؤسساتكم، وتمسكوا بحقكم في مدينة تتسع لكل أبنائها وتؤمّن لهم حياة كريمة. اتحدوا، وثابروا، ولا تتخلوا عن المطالبة بحقوقكم وحقوق مدينتكم؛ فبيروت ليست حجارة وشوارع، بل هي روح وأهل وتاريخ، وإذا فقدت أبناءها فقدت معناها.
وأقول للبيارتة في الاغتراب: حافظوا على بيروت راسخة في قلوبكم وأفعالكم. لا تجعلوا البعد الجغرافي يتحول إلى قطيعة، وكونوا سنداً لأهلكم بالمال، والخبرة، والعلاقات، والكلمة الطيبة.
وأذكرهم بقول الإمام علي (رضي الله عنه): «لا تستحِ من إعطاء القليل، فإن الحرمان أقل منه».
السؤال الأخير: ما هو شعارك في الحياة؟
جواب: شعاري الدائم هو الآية الكريمة: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ (الإسراء: 80).

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook