إيران تواصل الطعن في سيادة لبنان: لن نتخلى عن حزب الله

إيران تواصل الطعن في سيادة لبنان: لن نتخلى عن حزب الله

 

نستراك - تُمثل التصريحات الأخيرة التي أدلى بها نائب رئيس البرلمان الإيراني، حميد رضا حاجي بابايي، وأكد أن "حزب الله وقف إلى جانبنا، وإيران لن تتخلى عنه"، حلقة جديدة في سلسلة الاستراتيجيات الإيرانية الثابتة التي لا تحترم الدول ولا سيادتها. هذا ليس جديداً، بل يُمثل جزءاً من السياق اللبناني المعقد، وهو يعكس ارتباطاً عضوياً لمصير الحزب بالقرار الاستراتيجي لطهران التي ما زالت تشعر بحاجتها للحزب في ظل الجمود الذي عطل التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، واستمرار حالة التوتر في مضيق هرمز. وتبرز خطورة هذه التصريحات عند إسقاطها على الواقع اللبناني الراهن، وتحديداً في ظل توقيع "الاتفاق الإطاري الثلاثي" برعاية أمريكية بين لبنان وإسرائيل، ومحاولات إحياء تطبيق القرارات الدولية، مما يكشف حجم الهوة السحيقة بين الطموحات السيادية للدولة اللبنانية وحقيقة الهيمنة الإيرانية على لبنان.

الموقف الإيراني المعلن، كما غيره، يُعتبر ضربة قاصمة لمفهوم الدولة الحرة والسيدة، إذ يكرس مجدداً شعوراً عميقاً بأن القرار الاستراتيجي اللبناني، وخاصة فيما يتعلق بالحرب والسلم، مُصادر ويتم التحكم به من خارج الحدود. وفي الوقت الذي يسعى فيه لبنان الرسمي، ولو ببطء وعلى وقع التشرذم الرسمي الداخلي، لترميم سلطته وبسط سيادته، تأتي الرعاية الإيرانية المطلقة لحزب الله لتؤكد تبعية هذه البنية العسكرية والأمنية لأجندات إقليمية خطيرة لا تضع أي اعتبار للخسائر والأضرار التي يتحملها اللبنانيون. هذا الوضع يفاقم حالة الانقسام الداخلي الحاد؛ فبينما يرى غالبية اللبنانيين أن هذا الارتباط "المشبوه" يختزل لبنان ويحوّله إلى "ساحة اشتباك" وممر لتنفيذ مصالح طهران، يتمسك الفريق "الممانع" بهذا الارتباط ويعتبره عنصر ردع في مواجهة إسرائيل وأداة لتحرير الجنوب، مما يُبقي الكيان اللبناني رهينة دائمة للفوضى وعدم الاستقرار.

الدعم المفتوح ينسف غاية أي مسار تفاوضي يستهدف حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، ويضمن استمرار حالة "الدويلة داخل الدولة"، ويمنع أي فرصة حقيقية لإرساء استقرار داخلي.

على المقلب الآخر، تشكل هذه التصريحات مظلة صلبة تعزز موقف حزب الله في رفض أي صيغة تسوية تفضي إلى نزع ترسانة أسلحته. وعندما تتلقى قيادة الحزب تأكيدات علنية بأن حلفاءها الكبار لن يتخلوا عنهم، تتراجع بالضرورة أي هوامش للمرونة الداخلية أو حتى القبول بالترتيبات الأمنية التي يفهمها على أنها تقوض نفوذه العسكري. هذا الدعم المفتوح ينسف غاية أي مسار تفاوضي يستهدف حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، ويضمن استمرار حالة "الدويلة داخل الدولة"، ويمنع أي فرصة حقيقية لإرساء استقرار داخلي مستدام بمعزل عن صراعات المحاور.

وتتجلى ذروة اصطدام هذه العقيدة الإيرانية بكل من القرارات الدولية المتعلقة بلبنان و"اتفاق الإطار الثلاثي" الأخير، حيث النصوص كلها تُجمع على استعادة الدولة اللبنانية لسلطتها الحصرية – ولو اختلفت الآليات المعتمدة بحسب زمن كل قرار – بينما إيران تتجاهل كل ذلك، وتتعامل مع لبنان من بوابة ميليشيا أنشأتها في ثمانينات القرن الماضي لتشريع وجودها وتوسعها. التأكيد الإيراني على حماية الحزب ورفض المس بقدراته يفرّغ هذه التفاهمات الدولية من مضمونها العملي، ويحولها إلى نصوص ورقية عاجزة عن التطبيق الميداني.

وهنا تحديداً، تساهم إيران في توفير الذرائع المتبادلة من خلال تعطيل تحقيق أي اتفاق جدي لانسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان؛ وهو سلوك يصب مباشرة في مصلحة إسرائيل ويسمح لها بالبقاء عسكرياً على الأراضي اللبنانية بحجة غياب الضمانات الأمنية ونزع السلاح، مما يجعل من الدعم الإيراني غطاءً موضوعياً لاستمرار الاحتلال تحت شعارات "الممانعة الوهمية".

مصالح إيران وإسرائيل تتقاطع  موضوعياً وميدانياً في لبنان لتعطيل كافة الحلول وقيام دولة كاملة السيادة.

 

خلاصة المشهد: يقف لبنان اليوم على مفترق طرق كارثي؛ فهو بين مطرقة التزامات دولية واتفاقات إطارية ترسم خارطة طريق لاستعادة السيادة وحصر السلاح، وسندان إرادة إيرانية ترفض التفريط بأهم أوراق نفوذها الإقليمي وتتقاطع موضوعياً وميدانياً مع تل أبيب في تعطيل الحلول. وبقاء هذه المعادلة يعني استمرار دوران لبنان في فلك الأزمات المفتوحة، وغياب أي أفق حقيقي لقيام دولة المؤسسات والقانون التي ما زال اللبنانيون يحلمون بتحققها.