ستون ألف مغربي يعبرون إلى سبتة وأوروبا في حالة استنفار
عبد الفتاح خطاب - في واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية التي شهدتها الحدود الأوروبية في السنوات الأخيرة، دخل نحو 50 إلى 60 ألف شخص، معظمهم مغاربة، إلى مدينة سبتة الإسبانية شمالي أفريقيا خلال فترة وجيزة. وقد عبر عشرات الآلاف منهم البحر سباحة، بعدما انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي شائعات تتحدث عن سهولة العبور إلى المدينة باعتبارها «بوابة مفتوحة» نحو أوروبا.
وقدّر رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، عدد الذين تمكنوا من دخول المدينة بنحو 60 ألف شخص خلال 24 ساعة، وهو رقم يعادل قرابة 70% من سكان سبتة البالغ عددهم نحو 85 ألف نسمة. ومع ذلك، بقيت الأرقام تقديرية ومتفاوتة بين السلطات الإسبانية والمصادر الإعلامية، مما يجعل الرقم النهائي للواصلين غير محسوم بصورة كاملة.
وكانت غالبية العابرين من الشبان المغاربة، وبينهم قاصرون، وقد وصل كثيرون منهم سباحة مستفيدين من حالة الفوضى التي رافقت التدفق المفاجئ. وقال عدد من المشاركين إنهم تحركوا بعد مشاهدة منشورات ومقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي توحي بأن الوصول إلى سبتة أصبح ممكناً، فيما ربط آخرون قرارهم بالبحث عن فرص عمل وحياة أفضل داخل القارة العجوز.
وتشير التقارير إلى أن شبكات تهريب البشر استغلت الالتباس الذي أحدثه حكم للمحكمة العليا الإسبانية، والذي يخص عدم جواز الإعادة الفورية لبعض الأشخاص الذين يصلون إلى سبتة أو مليلية عن طريق البحر. وفي هذا السياق، اعتبر رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت هذا الحكم والشائعات لدفع أعداد كبيرة من الشباب إلى محاولة العبور.
وفيات ومأساة إنسانية
سرعان ما تحولت موجة العبور إلى مأساة إنسانية، حيث ارتفع عدد الوفيات إلى 67 شخصاً وفق آخر حصيلة أعلنتها وزارة الداخلية الإسبانية في الأول من آب. ونجمت بعض الوفيات عن الغرق أثناء محاولات السباحة من الساحل المغربي، بينما قضى آخرون نتيجة التدافع عند الحواجز والمنشآت الحدودية.
وفي المقابل، بدأت موجة العودة سريعاً؛ إذ أعلنت السلطات الإسبانية أن أكثر من 48 ألف شخص عادوا طوعاً إلى المغرب، بعدما وجد كثيرون أنفسهم داخل مدينة صغيرة لا تملك القدرة على استيعاب هذا العدد الهائل، في وقت شددت فيه مدريد إجراءاتها لمنع انتقال أي من الواصلين إلى الأراضي الإسبانية القارية.
كما أرسلت مدريد تعزيزات أمنية وعسكرية إلى سبتة، وطلب سانشيز زيادة أعداد القوات ونشر حواجز عائمة في البحر لمنع محاولات العبور، مع تأكيد الحكومة الإسبانية أن المغرب يتعاون معها لإعادة الأشخاص الذين دخلوا بصورة غير نظامية.
استنفار أوروبي واسع
لم تبقَ تداعيات الأزمة محصورة داخل سبتة، بل أثارت المشاهد القادمة من المدينة مخاوف أوروبية واسعة، باعتبار أن سبتة تمثل إحدى النقاط الحساسة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
ففي إيطاليا، أعلنت الحكومة فرض تفتيش مؤقت وانتقائي على القادمين من إسبانيا لمدة شهر في خطوة مرتبطة بالأزمة، مع التنسيق مع فرنسا لتعزيز الرقابة على الحدود الفرنسية ـ الإيطالية. ومن الناحية القانونية، فإن الوصف الأكثر دقة للإجراء الإيطالي هو أنه إعادة مؤقتة لضوابط الحدود الداخلية، وليس «تعليقاً لاتفاقية شنغن» بصورة كاملة.
أما فرنسا، فقد أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون دعمه لإسبانيا ودعا إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة لتعزيز الرقابة على الحدود معها، فيما صدرت دعوات أوروبية متزايدة لحث التنسيق بشأن أمن الحدود الخارجية. كما أكدت بريطانيا دعمها لإسبانيا ومتابعتها الحثيثة للتطورات.
من جهتها، تملك وكالة الحدود الأوروبية (فرونتكس) وجوداً ميدانياً في سبتة ضمن عملياتها على الحدود البحرية بين أوروبا وشمال أفريقيا، ولا سيما عبر عملية «مينرفا» التي تمتد خلال أشهر الصيف وتغطي سبتة وموانئ إسبانية أخرى. وقد أثارت الأزمة نقاشاً أوسع داخل الاتحاد الأوروبي حول مسؤولية حماية الحدود الخارجية، بعدما اعتبرت بعض الحكومات أن ما حدث يكشف هشاشة المنظومة الأوروبية في مواجهة التدفقات المفاجئة.
ترامب يدخل على خط الأزمة
لم تقف تداعيات أزمة سبتة عند حدود القارة الأوروبية؛ إذ استغل الرئيس الأميركي دونالد ترامب المشاهد القادمة من المدينة في سجاله الداخلي حول الهجرة، محذراً الأميركيين من أن الولايات المتحدة قد تواجه سيناريو مشابهاً إذا عاد الديمقراطيون إلى السلطة.
وأثار تدخل ترامب جدلاً واسعاً، لا سيما بعدما أصبحت الأزمة الإسبانية مادة سياسية حاضرة في النقاش الأميركي حول الحدود والهجرة. كما تعرضت مدريد لانتقادات من شخصيات أميركية اتهمت سياساتها المتعلقة بالهجرة بالمساهمة في تفاقم الوضع، وهي اتهامات رفضتها الحكومة الإسبانية جملة وتفصيلاً.
شائعات عن المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة
بالتوازي مع الأحداث الميدانية، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، ونقلتها بعض المنصات، روايات تربط الأزمة باعتبارات جيوسياسية؛ تضمنت اتهامات للمغرب بتعمد تخفيف الرقابة الحدودية، أو وجود جهات خارجية تقف وراء موجة العبور للضغط على مدريد.
وذهبت بعض التحليلات والادعاءات إلى حد اتهام أجهزة استخبارات إسرائيلية بالوقوف وراء الأزمة انتقاماً من موقف إسبانيا الداعم للقضية الفلسطينية، فيما تحدثت روايات أخرى عن ضغوط أميركية مُمارسة على مدريد.
في المقابل، لا يمكن تجاهل السياق الدبلوماسي المعقد بين مدريد والرباط. فقد شهدت العلاقات الإسبانية ـ المغربية تحولات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، كما أن مدريد أعادت في الآونة الأخيرة توثيق علاقاتها مع الجزائر، الخصم الإقليمي الرئيسي للمغرب في ملف الصحراء الغربية، وهو ما أعاد نوعاً من الحساسية إلى العلاقات الثلاثية.
أما علاقة الرباط بواشنطن، فتستند إلى تقارب استراتيجي واضح؛ إذ كانت إدارة ترامب قد اعترفت رسمياً في كانون الأول بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وهو الموقف الذي واصل المغرب الإشادة به، وصولاً إلى رسالة تهنئة أرسلها الملك محمد السادس إلى ترامب في 4 تموز 2026 وصف فيها هذا الاعتراف بـ «التاريخي». ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أدلة موثوقة تربط هذا الملف مباشرة بأحداث سبتة الأخيرة.
سبتة.. جرح تاريخي على أبواب أوروبا
تكتسب الأزمة أهمية إضافية بسبب الوضع التاريخي والجغرافي الاستثنائي لمدينة سبتة؛ فقد استولت البرتغال على المدينة عام 1415، قبل أن تنتقل للسيادة الإسبانية بموجب معاهدة لشبونة عام 1668. ومنذ ذلك الحين أصبحت سبتة، إلى جانب مليلية، جزءاً من إسبانيا، في حين تواصل الرباط المطالبة باستعادتهما باعتبارهما جزءاً لا يتجزأ من الأراضي المغربية.
وتتميز سبتة بوضع جغرافي فريد؛ فهي مدينة إسبانية تقع على الساحل الأفريقي، وتفصلها عن المغرب حدود برية قصيرة، وتُشكل مع مليلية نقطتي الحدود البرية الوحيدتين بين الاتحاد الأوروبي والقارة الأفريقية.
هذا المعطى الجغرافي يجعل أي تدفق جماعي عبر حدود سبتة يتجاوز مفهوم أزمات الهجرة العادية؛ لليتحول سريعاً إلى أزمة حدودية، وأمنية، وإنسانية، ودبلوماسية في آن واحد.
وقد أعادت أزمة تموز/يوليو 2026 إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل تستطيع أوروبا حماية حدودها الخارجية في مواجهة موجات هجرة مفاجئة بهذا الحجم، أم أن سبتة كشفت مرة أخرى أن أضعف نقطة في منظومة الحدود الأوروبية قد تكون مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها عشرات الآلاف، لكنها تقع على خط التماس المباشر بين قارتين؟

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook