المعادلة الحتمية لاستقرار الجنوب: رحيل "اليونيفيل" وانتشار الجيش اللبناني
نبيل شحاده - منذ أن وطئت أقدام جنود الطوارئ الدولية أرض الجنوب اللبناني عام 1978 تنفيذاً للقرارين 425 و426، وصولاً إلى تعزيز حضورهم وتوسيع رقعة انتشارهم بعد حرب تموز 2006 بموجب القرار 1701، ظل السؤال حول جدوى هذه القوات مطروحاً على طاولات القرار السياسي. وعلى مدى عقود، عاش الجنوب وفق معادلة غامضة حوّلت "اليونيفيل" من قوة مُكلّفة بحفظ السلام إلى شاهد عيان عاجز، يكتفي بمراقبة وإحصاء القذائف والخروقات، دون أن تملك القدرة أو الإرادة الفاعلة لمنع حرب أو ردع عدوان.
اليوم، مع وصول الترتيبات الحدودية إلى طريق شبه مسدود، والحديث عن مشاريع غربية تسعى لتبديل القبعات الزرقاء بتشكيلات من ألوية أوروبية، يجب التوقّف قليلاً لإجراء مراجعة صريحة وشجاعة ودقيقة لمسار كان طويلاً وحافلاً بالإخفاقات المخزية، ووصولاً إلى نتيجة لا مفر منها، وهي ضرورة إنهاء تجربة "اليونيفيل" العقيمة وإعادة تسليم زمام الأرض، كل الأرض، للمؤسسة العسكرية اللبنانية بإدارة وإشراف من الحكومة اللبنانية.
لم يكن عجز القوات الدولية يوماً مرتبطاً بنقص في الدعم أو في التجهيزات المادية، بل هو خلل بنيوي نتج من طبيعة تفويضها تحت ظل الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجعلها قوة مقيدة بقواعد صارمة، وعاجزة عن فرض أي التزام على طرفي النزاع.
فمن جهة، لم تستطع هذه القوات فترة وجودها في جنوب لبنان أن تشكل رادعاً للاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، والاستباحة المفتوحة في السماء والبر، وبلغ الأمر ذروته أخيراً في التدمير الممنهج والتجريف الواسع الذي أزال أحياءً وقرى حدودية كاملة عن الخريطة، دون أن تحرك المنظومة الدولية ساكناً.
ومن جهة ثانية، اصطدمت هذه القوة الدولية بواقع المربعات الأمنية والتواجد العسكري لحزب الله في منطقة جنوب الليطاني، واستمرار تدفق السلاح وحفر الأنفاق وبناء التحصينات خارج سلطة الدولة، كما تحولت الدوريات الدولية إلى هدف يومي للتضييق من قبل "كتيبة الأهالي" في حزب الله، وتجريدها من أسلحتها، بل، والاعتداء على عناصرها وسقوط قتلى وجرحى في صفوفها من الكتائب الإيرلندية والإسبانية والفرنسية، أكثر من مرة، ما أفقدها القدرة الحقيقية على تفتيش أو مراقبة ما يجري في عمق القرى والبلدات.
وهنا يبرز السؤال البديهي الذي يطرحه أي مراقب: كيف يُطلب من قوة دولية "عاجزة" عن حماية قواعدها وجنودها أن تحمي وطناً، أو أن تصون استقرار شعب، أو تردع أطماع عدو لا يهدأ ولا يرحم؟
ومجدداً، بدأ الترويج في بعض العواصم الغربية ومنها ما اقترحه وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول حول تشكيل قوة أوروبية بتفويض من الاتحاد الأوروبي، لمنع حدوث فراغ أمني بعد انسحاب قوات اليونيفيل من جنوب لبنان، على أن يشارك فيها دول مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، إما عبر اتفاقات ثنائية أو ترتيبات خاصة.
هذه الطروحات وبصريح العبارة، هي ليست إلا محاولة للهروب إلى الأمام وإعادة استنساخ لأزمات العقود الماضية ولكن بشكل مختلف. فالقوات الأوروبية، مهما بلغت كفاءتها، ستظل تفتقر إلى الحزم وقوة الأداء، وستكون عرضة للتشكيك والاتهام بالانحياز، وهذا كله سيحوّلها في أسرع وقت إلى هدف للمزايدات والتجاذبات الإقليمية. هناك مَن يجب أن يفهم، أن المشكلة ليست في لون الخوذة ولا في لغة جنودها، بل في استمرار تغييب أو تجاهل صاحب الحق الحصري في حماية الأرض، ألا وهو الجيش اللبناني.
لقد استُهلك الدور الدولي بالكامل ولم يعد لوجوده أي مبرر، وبات استمراره مجرد مسكنّات مؤقتة تطيل عمر الصراع وتؤجل الحل الحقيقي، والبديل أن يقوم لبنان بواجباته الوطنية دون وصاية أو أدوات وهمية؛ فالخطوة الأولى والأساسية نحو استعادة الاستقرار تكمن في إنهاء التفويض الدولي، وإعلان بسط سلطة الجيش اللبناني وحده على كامل الجنوب حتى الخط الأزرق، تحت إمرة السلطة السياسية في بيروت، التي تختار المسارات المناسبة والحاسمة عبر التفاوض المسنود بالدعمين العربي والدولي لاستعادة الهدوء إلى الحدود.
وكي لا يكون كلامنا مجرد حروف وكلمات في الهواء، لا بدّ من نقل هذه السيادة من حيز التمني إلى الواقع العملي، وهذا يقتضي أن تكون الدولة اللبنانية مستعدة لوضع خطة وطنية جادة بالتعاون مع الأشقاء العرب والأصدقاء الغربيين لتعزيز قدرات الجيش، وفق ركائز مبدئية ومنها:
1- فتح باب التطويع والتجنيد الإجباري (ولو لأشهر محددة) وتجنيد آلاف العناصر لتشكيل ألوية وأفواج مدربة ومتخصصة وبعيدة عن أية ولاءات حزبية وطائفية تُنشر على طول الحدود وفي العمق الجنوبي، مع ضمان إسنادها برواتب ومخصصات مالية ورعاية صحية لائقة تحمي كرامة العسكريين وتؤمن استقرارهم المعيشي في ظل الظروف الاقتصادية القاسية.
2- العمل على تزويد الجيش بأسلحة نوعية، وتأمين منظومات دفاع متطورة تؤمن لهذا الجيش الحد الأدنى من مقومات أداء واجباته الوطنية، وكذلك تشييد مراكز قيادة محصنة ونقاط مراقبة دائمة وثكنات مؤهلة، مع بناء شبكة إمدادات متكاملة، وشبكة اتصالات عسكرية متطورة.
3- تأسيس صندوق مالي تشارك فيه الدول الشقيقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي، والدول الصديقة الراغبة في استقرار لبنان، لتمويل برامج تسليح الجيش وتدريبه وصيانة عتاده دون قيود سياسية أو شروط مجحفة.
وهذه البنود ليست مستحيلة أو مستعصية، بل أثبتت العقود الماضية أن الدول العربية والغربية معاً، لم تتردد يوماً في مساندة لبنان، وظلت على استعداد دائم لدعم الجيش وتعزيز قدراته العسكرية واللوجستية، إيماناً منها بأن استقرار هذا البلد يبدأ من قوة مؤسسته العسكرية الشرعية، متى توافرت الإرادة السياسية الواضحة في بيروت لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كافة أراضيها.
وعن حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، فهو ليس مجرد إجراء أمني معزول، بل هو الركيزة الأساسية القوية لمسار سياسي متكامل يجب أن تقوده وتنفذه الحكومة اللبنانية، وحجر الزاوية لاستعادة السيادة الوطنية وحماية السلم الأهلي في لبنان، لضمان أن يكون قرار السلم والحرب بيد الجهة الصالحة وتحت سقف الدستور والقوانين، ما يساهم في بناء ثقة المجتمعين العربي والدولي بالدولة، ويمهّد الطريق نحو استقرار دائم وتعافٍ حقيقي في لبنان.
إن وجود الجيش اللبناني وحده على الحدود كلها، حامياً لقرار الدولة ومعبّراً عن الإجماع الوطني، هو الضمانة الوحيدة التي تمنح لبنان قوة الموقف وتنزع من يد الاحتلال جميع ذرائع العدوان. وعندما يستتب الأمن تحت راية الشرعية، تُفتح الأبواب واسعة أمام عودة كريمة وآمنة لأهالي القرى الجنوبية إلى بلداتهم ومنازلهم، وتبدأ ورش إعادة الإعمار والإنماء بتمويل ومساندة من الأشقاء والأصدقاء، على أسس ثابتة من الاستقرار والسيادة الكاملة.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook