الدكتور باسم فليفل: شوّهوا التاريخ، والدولة العثمانية ليست دولة احتلال؟
أجرى الحوار: نبيل شحاده - عادة ما يُنظر إلى التاريخ باعتباره صفحات ثابتة في الكتب، لكنه بالنسبة للباحثين أصحاب الخبرة والاختصاص هو حكايات حيّة نصنع من خلالها فهمنا لأنفسنا، ووجودنا، وحواضرنا.
وفي هذه السلسلة المؤلفة من ستة لقاءات مع الباحث والمؤرخ الدكتور باسم فليفل نذهب بعيداً للنظر في تاريخنا دون قوالب جاهزة، ولنكشف ما طاله من التشويه والإساءة في الروايات والتفسيرات والكتابات المعاصرة، ولنضع الحقيقة التاريخية في سياقاتها الموضوعية، فضلاً عن كون هذا التاريخ يُمثّل الامتداد الطبيعي لنسيجنا الحضاري وعمقه الممتد عبر قرون طويلة.
ونتناول بالجزء الأول مع الدكتور فليفل، تفكيك أحد أكثر المفاهيم التاريخية شيوعاً وإشكالية في الخطاب المعاصر، وهو وصف الدولة العثمانية بـ "دولة الاحتلال". فيقدم مقاربة نقدية تاريخية وعلمية تثبت أن الدولة العثمانية كانت الامتداد الطبيعي لسلسلة الدول الإسلامية المتعاقبة منذ الفتح الإسلامي، رافضاً إسقاط المفاهيم القومية الحديثة.
السؤال الأول: بناءً على أبحاثكم، يتردد أحياناً في الخطاب المعاصر وصف الدولة العثمانية بـ "دولة الاحتلال". كيف تقرأون هذا الطرح علمياً وتاريخياً؟ ألم تكن الدولة العثمانية في حقيقتها الامتداد الطبيعي لسلسلة الدول الإسلامية المتعاقبة منذ الفتح الإسلامي للبنان وبلاد الشام، بعيداً عن إسقاطات المفاهيم القومية الحديثة؟
جواب: الكلام عن أن الدولة العثمانية هي دولة احتلال هو كلام فارغ. لماذا تكون الدولة العثمانية دولة احتلال، وما الفرق بينها وبين الدول الإسلامية السابقة؟ هي قطعاً امتداد للتاريخ الإسلامي الذي سبقها؛ فتسميتها بدولة احتلال، من جهة، لا تتفق مع مفهوم الاحتلال إذا أردنا تفسير معناه. ومن جهة أخرى، إن كان المقصود الحديث عن الفروق القومية، فهذه كذلك غير صحيحة.
لو كنا نريد القول إن الدولة العثمانية هي دولة تركية احتلت منطقة عربية أو سمها كما تشاء، بالنسبة للناس التي تكره أن تسمي نفسها عرب، أو تنكر أصولها العربية، فهذا الكلام أساساً غير صحيح. هل نحن بالمنطقة أول مرة نخضع لسلالة تركية؟ المنطقة عندنا حُكمت بالعديد من السلالات التركية منذ العصر العباسي الثاني، بعد ما ضعفت الخلافة العباسية ببغداد، قامت عدة دول تدين بالولاء لهذه الخلافة، ولكن عندها قدر من الاستقلال الداخلي أو الاستقلال الذاتي، ومعظم هذه الدول بالمشرق العربي، بدون مبالغة ربما كان تركيًا. فالطولونيون، والإخشيديون، والسلاجقة، والزنكيون كانوا أتراكاً. نور الدين زنكي نفسه، الملك العادل البطل الذي حرر معظم البلاد الإسلامية قبل صلاح الدين كان تركياً (هو تركماني، لكن بالنهاية من الاتراك). كما إن الدولة الصفوية نفسها التي شيّعت إيران ونشرت المذهب الشيعي بربوع الديار الإيرانية، كانت من سلالة تركية (الصفويون أتراك أذريون وليس فرساً).
وقس على ذلك، وحتى لو لم نتكلم عن الأتراك، عندنا نماذج كثيرة أخرى غير عربية حكمت المنطقة، فهناك البويهيون، وهم ديالمة (شعب كان يسكن جنوب بحر قزوين بمنطقة طبرستان، اليوم صاروا يسمونهم الجيلانيين أو الجيلاك)، والجَلائريون بالعراق كانوا من جذور مغولية. كما إن الأيوبيين كانوا اكراداً رغم أن البعض يقول إن لديهم اصولاً عربية، والمَرابطون والموحدون في المغرب كانوا من البربر.
إذا كان المقصود هو النطاق القومي، فهذا غير صحيح. أساسًا الحضارة الإسلامية (كما تعلمت أنا من صديق مسيحي مقرّب لي، ولكنه محب للحضارة الإسلامية وللتاريخ الإسلامي، ويشعر بالانتماء للمنطقة ولهذا التاريخ ومتصالح جداً مع هذا التاريخ)، ذكر لي كلمة جميلة جداً قال لي: "الإسلام عابر للقوميات.. يعني الإسلام يعلو على القومية"، وهذا نموذج فريد بالتاريخ البشري.
فالإسلام أو الحضارة الإسلامية أو الدول الإسلامية لم تكن تهتم باللغة والقومية، كانت تهتم بالدين فقط. غير ذلك أنت حر، كن كما تريد، تكلم باللغة التي تريدها، وانتمِ إلى القومية أو الهوية التي تريدها.
بالأساس القومية لم تكن هي الهمّ بذلك الزمن، حتى نقول الأجانب احتلوا أرض الآخرين. الناس، عندما حل العثمانيون مكان المماليك، كان عادياً جداً بالنسبة لهم، اعتبروا أنها مجرد دولة إسلامية حلّت مكان دولة إسلامية أخرى. المماليك أصلاً بحد ذاتهم ينقسمون لقسمين:
- المماليك البحرية: أتراك (منهم الظاهر بيبرس، وسيف الدين قطز، والملك الناصر محمد، والأشرف قلاوون، وصلاح الدين خليل، هول كلهم أتراك).
- المماليك البرجية: (ومنهم طومان باي، قانصو الغوري، الأشرف برسباي، والسلطان قايتباي)، هؤلاء كلهم شراكسة، ما كانوا أتراك، والبعض منهم لم يكن يحسن اللغة العربية.
لأن العبرة لم تكن باللغة أو القومية بل كانت في الدين فقط. وطالما كان الحاكم مسلماً كان الناس يدينون له بالولاء بشروط معينة.
المفكرون المعاصرون وحتى العلماء القدماء حددوا أن العقد الاجتماعي بين الحاكم المسلم والرعية هو أولاً أن يكون حامياً لبيضة الإسلام، وغير معطّل للشريعة الإسلامية، ورافعا لراية الجهاد عند اللزوم ضد أعداء المسلمين، والدعوة إلى الإسلام، والجهاد في حال تعطيل الدعوة، طبعا مع ترك الحرية لمن يريد اعتناق الإسلام، ومن هذا المنطلق، لا يصح إطلاق تسمية "المحتل" على الدولة العثمانية.
فكرة الاحتلال نفسها خاطئة لسببين:
الفكرة تفترض وجود كيان سياسي كان قائماً وجاء كيان آخر احتله. والذين يلعبون على هذه الفكرة هم دائما يقولون إن العثمانيين احتلوا لبنان، احتلوا سوريا، احتلوا البلاد العربية. حسناً، هذه الفكرة معناها أنه كان يوجد كيانات سياسية عربية قائمة؟ لم يكن يوجد كيانات سياسية، لم يكن يوجد دول عربية قائمة حينذاك ليأتي العثمانيون ليحتلوها. الكيان السياسي الذي كان موجوداً بالمنطقة هو دولة المماليك، ودولة المماليك هي دولة إسلامية، وهويتها لم تكن عربية بل إسلامية. وفي العراق كان يوجد الدولة الصفوية وهي غير عربية، وانتزعه كيان إسلامي آخر.
فكرة الاحتلال تفترض وجود شعور بالوطنية، وهذا أبعد ما يكون بذلك الزمن. الوطنية أو الشعور بالوطنية لم يكن موجودا، أو على الأقل ليس بالشكل الذي نفهمه اليوم. لو رجعنا لأكثر من مئة وخمسين سنة، وسألنا شخصاً "ما هو وطنك؟"، لم يكن ليعرف أن يعطي جواباً. كان ممكناً أن يقول: "وطني بيروت"، "وطني دمشق"، "وطني القاهرة" "وطني مكة". فكرة الوطنية بالعالم الإسلامي ظهرت في سنة 1867، عندما أصدرت الدولة العثمانية جوازات سفر ضمن حركة الإصلاح وفترة التنظيمات والضغوطات الأوروبية فاعتمدت فكرة الجنسية، وأصبح جميع الرعايا مواطنين عثمانيون، ويُعاملون في العالم على أنهم عثمانيون. ولهذا نشأ لغط كبير في هذا الموضوع في القارة الأميركية حول جذور بعض العائلات التي تُعتبر بالأرشيف هناك من أصول سورية أي شامية. وهنا أذكر موضوع الأدباء مما يعكس جهل الناس بتاريخهم وتطرفهم بمحاولة خلق هوية معاصرة واسقاطها على الماضي. وكذلك موضوع الجذور التركية، وكان المواطنون يحملون جوازات سفر عثمانية، ولذلك أطلق الغربيون بشكل عام على العثمانيين تسمية الأتراك، والمقصود بهم آنذاك لدى الغرب الشرقيون والمسلمون خصوصاً.
وفي مذكرات بديعة مصابني ذكرت أن جميع اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين في أميركا الجنوبية كانوا يُسمون "توركو" لأنهم كانوا يحملون جوازات سفر عثمانية. وهذا يؤكد أن فكرة المواطنة وفكرة الوطن لم تكن موجودة. حتى المفكرين والأدباء المسيحيين، ومنهم المعلم بطرس البستاني كان يقول:" سوريا (أي بلاد الشام) وطننا، والدولة العثمانية دولتنا". وفي النهاية لا يمكن وصف الدولة العثمانية بأنها دولة احتلال بسبب التوصيف نفسه، والسؤال المطروح هو: ما الفرق بين الاحتلال والفتح والغزو والاستعمار. لم يضع أحد تفصيلاً أو توثيقاً واضحا بين هذه التسميات، ونحن المسلمون لم نواجه هذه المعضلة سابقا، وفي الغرب تصب كل التعابير في نفس المعنى ولا يوجد تمييز لديهم. ونحن الآن لأننا الطرف الأضعف ونعتمد على الرافد الغربي، وزاد الأمر سوءا الأشخاص المسلوخون من حضارتهم وتاريخهم وهويتهم وعندهم كره لماضيهم، وبسبب عقدة النقص لديهم يريدون تطبيق المفاهيم الغربية علينا.
الاحتلال برأي هو وفود شعب على بلاد يستوطنها شعب آخر فيهيمن على الأرض ويحصل التنافر بين الوافدين والقادمين ينجم عنه صراع ومشكلات متلاحقة تنتهي بانتصار أحد الطرفين؛ إما بخروج الوافد أو بإبادة السكان الأصليين أو اضعافهم بشكل كامل. وهذا ما ينطبق على استعمار الأوروبيين لأميركا الشمالية حيث أبادوا السكان الأصليين، وينطبق هذا أيضاً على الفلسطينيين.
وفي حالة العثمانيين، هل ينطبق عليهم هذا الشيء؟ طبعاً لا. والعثمانيون أول من أنتفض عليهم هم أناس كان عندهم مصالح تجارية مثلاً أو اقتصادية تأثرت من الهيمنة العثمانية. ومن هؤلاء نذكر تحديدا، بعض الأمراء الدروز بجبل لبنان، الذين كان عندهم صلات تجارية متينة جداً مع الجمهوريات الإيطالية، ويعيشون على التبادل التجاري معها منذ العصر المملوكي، ولما انهارت الدولة المملوكية وحلت مكانها الدولة العثمانية، التي كانت بحالة عداء مع هذه الجمهوريات، منعت هؤلاء الأمراء من التعامل مع أعداء الدولة. ولكنهم صاروا يتواصلون سراً مع الدويلات الإيطالية، فقُمِعُوا من طرف العثمانيين وحصلت بعض المناوشات بينهم، وانتهى المطاف بانتصار العثمانيين.
طبعا هذه الحركة استمرت في ظل وجود العثمانيين في الديار الشامية واستمرت وصولاً لأيام الأمير أحمد المعني، أخر أمير بالسلالة المعنية، طبعا وتوجت بعصر الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير.
حركة الأمير فخر الدين واتصاله بتُسكانة لم تكن تجربة مميزة كما يقال، بل هي امتداد لصراع طويل، أو الصراع الدرزي الطويل، كما سمّاه أستاذ التاريخ العثماني بالجامعة الأمريكية ببيروت، الدكتور عبد الرحيم أبو حسين - يرحمه الله-. أما عامة الناس من أهل السنّة والشيعة والمسيحيين لم يدخلوا بصراعات مع العثمانيين أبداً.
الناس تقبّلت أن يحلّ حاكم مسلم مكان حاكم مسلم آخر ولم يتغيّر شيء عليهم إن كان على الصعيد الاقتصادي أو التجاري أو المالي أو السياسي. وبالنسبة لغير المسلمين فلم يتغيّر عليهم شي، واستمروا في إدارة شؤونهم الخاصة بأنفسهم. كما أنه لم يتبدل شيء بالنسبة للمسيحيين بين العصر المملوكي والعصر العثماني، باستثناء أن التواصل مع دول معادية للدولة العثمانية كان ممنوعا.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook