هل تواجه أوروبا أزمة طاقة جديدة في الشتاء القادم

هل تواجه أوروبا أزمة طاقة جديدة في الشتاء القادم

 

نستراك - بينما تقترب القارة الأوروبية من فصل الشتاء لعام 2026-2027، يجد القادة وصناع السياسات أنفسهم أمام اختبار جديد لا يقل حدة عن أزمة عام 2022. وعلى الرغم من النجاحات التي حققتها أوروبا في تنويع مصادر الطاقة والابتعاد عن الغاز الروسي، إلا أن معطيات العام الحالي تشير إلى وجود مخاطر هيكلية عميقة تهدد استقرار التدفئة والإمدادات الصناعية. إن الشتاء القادم ليس مجرد مسألة طقس، بل هو انعكاس لتقاطع معقد بين الأسواق العالمية المتقلبة، التوترات في الشرق الأوسط، والسياسات الاقتصادية الوطنية.

وأظهرت التقارير الموثقة لعام 2026 أن مستويات مخزون الغاز الطبيعي تحت الأرض في أوروبا وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2011، حيث تبلغ نسبة الملء حالياً نحو 58% فقط من السعة الوطنية، وهو رقم يقل بـ 16 نقطة مئوية عن المتوسط التاريخي للسنوات الخمس الماضية. هذا التراجع ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لارتفاع أسعار الصيف وتغير المناخ، اللذين أطاحا بالديناميكيات التقليدية التي كانت تعتمد عليها شركات المرافق لشراء الغاز الرخيص صيفاً وبيعه شتاءً لتحقيق الأرباح.

ساهمت التوترات المتجددة حول مضيق هرمز في ظل الحرب الإيرانية المستمرة، في زيادة الضغط على الأسعار، وتحولت السوق الأوروبية من الاعتماد على عقود طويلة الأجل ومستقرة عبر الأنابيب إلى الاعتماد على شحنات الغاز الطبيعي المسال المرنة والمتقلبة. هذه الشحنات، رغم أنها تمنح القارة قدرة على المناورة، تجعلها في منافسة شرسة مع الاقتصادات الآسيوية التي تملك قدرة أكبر على "المزايدة" لتأمين احتياجاتها، مما يترك المشترين الأوروبيين عرضة لتقلبات الأسعار الدولية بشكل غير مسبوق.

 

وتعد ألمانيا، بصفتها أكبر مستهلك للغاز في الاتحاد الأوروبي، الحلقة الأضعف والأكثر أهمية في هذه المعادلة. فبينما تمثل احتياطيات الغاز الألمانية أكثر من 20% من إجمالي سعة التخزين في الاتحاد، إلا أن نسبة الملء في ألمانيا وصلت إلى 47% فقط في أغسطس، وهو أدنى مستوى تاريخي لها على الإطلاق.

تتبنى الحكومة الألمانية نهجاً حذراً، حيث ترفض حتى الآن التدخل المباشر لتوجيه شركاتها العملاقة (مثل "سيفي" و"يونيبر") لشراء الغاز بأسعار السوق الحالية لضمان تحقيق مستويات التخزين المستهدفة. وتبرر برلين هذا الموقف بأن التدخل الحكومي قد يؤدي إلى مزيد من القيود في السوق، مما يدفع الأسعار للارتفاع بشكل أكبر ويُفاقم أزمة الإمدادات. هذا النهج يثير جدلاً واسعاً؛ ففي حين يرى البعض فيه حماية لمبادئ السوق الحرة، يرى خبراء طاقة مثل سباستيان هاينرمان، المدير الإداري لرابطة تخزين الغاز الألمانية، أن هذا التوجه "قديم" ولا يتناسب مع الظروف الاستثنائية التي تتطلب إجراءات حاسمة لتفادي نقص مادي في الغاز.

 

أما الدول الأوروبية الأخرى فهي لا تتبنى النهج الألماني نفسه. وعلى سبيل المثال، خصصت هولندا مبلغ 1.2 مليار يورو لتعزيز قدرة شركتها الحكومية للطاقة (إي بي أن) على ملء المخزونات بشكل أسرع، وهذا ما خلق فجوات قد تنعكس سلباً على التكتل ككل، لا سيما إذا علمنا أن ألمانيا، بموجب معاهدات دولية، ملزمة بتوفير المساعدة الطارئة في مجال الغاز لدول مجاورة مثل النمسا، وسويسرا، وإيطاليا، والدنمارك، وأي فشل في تأمين الاحتياطيات الألمانية سيعني انتقال أزمة الوقود والتدفئة عبر الحدود لتشمل هذه الدول، مما قد يحول أي أزمة محلية إلى أزمة إقليمية شاملة على مستوى القارة الأوروبية.

 

توقعات المفوضية الأوروبية رغم أنها لا تشير إلى وجود مخاطر إمدادات جوهرية، ولكن تقارير تحليلية مثل تلك الصادرة عن شركة "رابيدان" تحذّر من أن تحقيق أهداف الاتحاد الأوروبي يتطلب أسعاراً أعلى بكثير، وهو خيار مكلف اجتماعياً واقتصادياً.

يبقى الشتاء القادم رهناً بثلاثة متغيرات: قسوة الشتاء (الطلب)، استقرار ممرات الشحن الدولية (العرض)، والقدرة على تجاوز الانقسام بين "تحرير السوق" و"التدخل الاستراتيجي"، وأوروبا التي أثبتت مرونة عالية في العامين الماضيين، قد يكون الاختبار الحقيقي لقدرتها على الحفاظ على هذا التوازن في شتاء 2026  وسط عالم يزداد توتراً واضطراباً كبيرين.