مضيق الابتزاز: إيران تفقد ورقة هرمز، والعالم يتجه إلى بدائل آمنة

مضيق الابتزاز: إيران تفقد ورقة هرمز، والعالم يتجه إلى بدائل آمنة

 

نبيل شحاده (خاص نستراك) - يعتبر كثيرون أن مضيق هرمز الذي لا يتجاوز عرض ممراته الملاحية 10.5 كيلومتر هو "عنق العالم". ورغم الدقة النسبية للوصف، فالمضيق لا يمرّ عبره إلا نحو 20% من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحراً. وإيران التي تسعى للتحكم بالمضيق هرمز ولتوظيفه كسلاح استراتيجي للضغط السياسي والاقتصادي على دول العالم، وانتزاع مكاسب في مفاوضاتها بشأن برنامجها النووي وأزماتها الخارجية، قد تجد نفسها قريباً أنها قد قدمت خدمة استراتيجية كبيرة لدول المنطقة وأسواق النفط العالمية.

محاولات طهران التي يبدو في ظاهرها استعراض للقوة، يكشف عن استنزاف طويل الأمد لنفوذها. وفي الوقت الذي تعوّل فيه إيران على أوراق تعتقد أنها رابحة مثل برنامجها النووي، فإن سياستها في تعطيل حركة الملاحة تدفع القوى الدولية المصدّرة والمستوردة إلى التعجيل بفك ارتباطها بهذا الممر المأزوم، والمحفوف بالمخاطر.

وفي هذا المجال، يؤكد خبراء الطاقة أن "إغلاق مضيق هرمز ساهم في تغيير مفهوم أمن الطاقة وطبيعة العلاقة بين العرض والطلب"، ودفع نحو استثمارات أضخم في مصادر الطاقة المتجددة، ما يعني تراجعاً متدرجاً في الطلب العالمي على الوقود التقليدي، وهو ما يضر بطبيعة الحال بالركيزة الأساسية للاقتصاد الإيراني.

 

لقد أدركت دول المنطقة أن الاعتماد المطلق على مضيق هرمز بات خطراً كبيراً، فاندفعت نحو تسريع إنشاء وتفعيل شبكة متكاملة من المسارات البرية، والسكك الحديدية، والأنابيب للتخلص من عبودية وابتزاز نقطة الاختناق ومن ذلك:

  • خط "شرق-غرب" السعودي: يُعد العمود الفقري للبدائل الإقليمية، بقدرة استيعابية تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً، ناقلاً النفط من حقول المنطقة الشرقية على الخليج العربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
  • خطوط "حبشان-الفجيرة" في دولة الإمارات العربية المتحدة: تمثل بوابة حيوية على بحر العرب ومحيط الهند، وتعمل شركة "أدنوك" على تطويرها لرفع قدرة الإمارات على تصدير نسبة كبرى من إنتاجها بعيداً عن مياه الخليج ومضيق هرمز.

 

  • خطوط الأنابيب العراقية (تركيا وسوريا، وآفاق التوسع المستقبلي نحو لبنان): يمتلك العراق إرثاً ومستقبلاً واعداً في تنويع منافذه؛ فخط أنابيب العراق-تركيا (البصرة-جيهان) ظل لسنوات شرياناً رئيسياً لتصدير النفط العراقي نحو المتوسط، إضافة إلى خطوط النقل السورية التاريخية. وتطرح نقاشات استراتيجية حول إحياء وتطوير هذه المسارات لتصل مستقبلاً إلى السواحل اللبنانية، مما يمنح الخام العراقي مرونة هائلة في الوصول إلى الأسواق الأوروبية.
  • مشروع تجديد "سكة حديد الحجاز": يبرز كأحد أكثر المشاريع طموحاً لربط الجغرافيا الإقليمية؛ حيث يجري العمل على تجديد وتطوير هذا المسار التاريخي ليربط اسطنبول بسوريا والأردن والمملكة العربية السعودية. هذا المشروع لا يسهل حركة التجارة العامة فحسب، بل يمثل "شريان حياة بري" بديلاً، يقلل الاعتماد على الممرات المائية الخطرة، ويعزز الربط الاقتصادي الذي يجعل التهديدات السياسية بمضيق الابتزاز أقل فاعلية.
  • خط "سوميد" المصري: يمثل حلقة وصل استراتيجية تنقل النفط بسلاسة من محطة العين السخنة على خليج السويس بالبحر الأحمر وميناء سيدي كرير على ساحل البحر المتوسط بالإسكندرية على البحر المتوسط، معززاً مرونة الإمدادات العالمية.

 

وفي العودة إلى تصريحات المسؤولين الإيرانيين بتهديد منشآت الطاقة، فهي حتماً قد باءت بنتائج عكسية؛ وفي هذا الشأن، يشير خبراء الشؤون الاستراتيجية إلى أن المنتجين قادرون تدريجياً على التخفيف من وطأة أي حصار والابتعاد عن خيار هرمز المكلف. غير أن ذلك يفتح الباب أمام تحول رئيسي ومهم ودائم في أسواق الطاقة العالمية.

 

في الختام، تجد الإدارة الأميركية والقوى الدولية فرصة تاريخية لا تقتصر على تأمين الممر المائي بالقوة، بل تتجاوز ذلك إلى "بناء نظام طاقة عالمي أكثر أمناً وتنوعاً" وتكمن الاستراتيجية الناجحة في جعل المضيق "أقل أهمية" عبر ربط أسواق الإنتاج بشبكات أنابيب وسكك حديدية عابرة للقارات، وهو ما سيجرد طهران في نهاية المطاف من ورقة ضغطها الأقوى، ويحول تهديداتها إلى نقطة تحول ودافع قوي نحو أمن تجاري مستدام.