جغرافية الرمزية والإنكار: كيف يُعيد حزب الله تسمية الهزائم؟

جغرافية الرمزية والإنكار: كيف يُعيد حزب الله تسمية الهزائم؟

 

عبد الفتاح خطاب - تزخر الخطابات الإعلامية والسياسية الموالية لحزب الله وقوى الممانعة، وكذلك أدبيات أنصارها، بتوصيفات رمزية وسياسية وعسكرية مكثفة لعدد من القرى والمواقع الجنوبية المفصلية؛ حيث يُسبغ على كل موقع هالة من القدسية والعظمة الميدانية، وتُربط جغرافيتها إما بأحداث تاريخية فارقة أو أبعاد استراتيجية تجعل منها، بحسب هذه الأدبيات، حِصناً لا يُقهر وثغراً عصياً على الأعداء.

ومن بين الصور والتسميات التي تكررت في هذا الخطاب:

  • بلدة الخيام: «قلعة الصمود والثبات»، «بوابة القطاع الشرقي وحارسة الثغور»، و«أرض الملاحم والدرع العصي».
  • بلدة بنت جبيل: «عاصمة المقاومة والتحرير»، و«مربع الصمود».
  • مارون الراس: «بوابة النصر»، «سيدة التلال»، و«عين الجنوب على فلسطين».
  • عيتا الشعب: «عروس المقاومة»، «قلعة الصمود العصية»، و«رمز الإرادة القتالية».
  • إقليم التفاح ومليتا: «عرين المقاومة»، «مقلع الرجال»، و«حكاية الأرض للسماء».
  • كفركلا والعديسة: «خط المواجهة الأول».
  • مثلث (عيتيت – قانا – الحوش): «مثلث الرعب» و«مثلث الصمود».
  • محور (مارون الراس – عيناتا – بنت جبيل): «المربع الذهبي» و«مثلث الموت».
  • وادي الحجير (السلوقي): «مقبرة الميركافا».
  • الناقورة وتلة اللبونة: «حارسة البحر»، و«صخرة الانكسار».

 

غير أن هذه الرمزية البلاغية تطرح سؤالاً مختلفاً عندما تخسر المقاومة مواقع كانت تُقدَّم بوصفها ذات أهمية عسكرية أو رمزية استثنائية؛ إذ يبرز عندها خطاب يعيد تعريف قيمة الموقع، أو يخفف من وزنه الاستراتيجي، أو يدرج خسارته في إطار التكتيك وإعادة التموضع.

 

فبعد أن كانت قلعة الشقيف تُوصَف بألقاب من قبيل «تاج الجنوب والناظر على فلسطين»، و«شاهدة الفتوحات»، و«رمز كسر الهيبة»، سارع النائب حسن فضل الله إلى تجريدها من أي بُعد عسكري فور خسارتها، معلناً أن القلعة «موقع أثري وطني خاضع لسلطة الحكومة اللبنانية ويتبع وزارة الثقافة»، نافياً أن تكون «موقعاً عسكرياً للمقاومة».

 

والأمر ذاته تكرر مع موقع تلة علي الطاهر، الذي صُوِّر سابقاً بأنه «عين المقاومة البصيرة» و«خط الدفاع الأول عن النبطية». إذ بلغ التضخيم حدّ قول المحلل السياسي حسن الدر قبيل التطورات الأخير: «اليوم علي الطاهر يوقف الاقتصاد العالمي.. كفرتبنيت توقف التجارة العالمية». لكن بعد سقوط الموقع، انقلب الخطاب إلى التخفيف، حيث صرح الإعلامي علي برو بأن «هناك منشآت أهم بكثير من منشأة علي الطاهر وقعت بيد إسرائيل»، مُعدداً بينها منشآت مجدل زون وصريفا والقنطرة.

 

إن الغرض من هذا الرصد ليس إثبات ما إذا كانت «علي الطاهر» أو غيرها موقعاً هامشياً، بل تسليط الضوء على المفارقة البلاغية بين خطابٍ يرفع الموقع إلى مرتبة استثنائية قبيل خسارته، وخطابٍ يعيد خفض قيمته فور وقوع الخسارة. فالمسألة هنا لا تتعلق بتلة أو قلعة بعينها، بل بقابلية الجغرافيا نفسها لإعادة التعريف والتبديل كلما تغيرت موازين المعركة ونتائجها.