عجز الدولة وضياع خياراتها يكرّس احتلال الجنوب

عجز الدولة وضياع خياراتها يكرّس احتلال الجنوب

 

نستراك - يعيش لبنان اليوم واحدة من أخطر مراحل تاريخه المعاصر؛ مرحلة تتسم بفقدان البوصلة الوطنية والوقوع في أسر التيه الاستراتيجي على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية كافة. فبين عدوان إسرائيلي متمادٍ يسعى لفرض أمر واقع جديد على الأرض، ومسارات تسوية متعثرة، وأزمات معيشية خانقة تفتك بالداخل، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام مشهد سريالي تتآكل فيه مؤسسات الدولة، بينما يُترك مصير الوطن معلقاً على حبال الانتظار والتجاذبات الإقليمية.

 

تتجلى خطورة المشهد الميداني مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إحكام السيطرة العسكرية الكاملة على مرتفعات تلة علي الطاهر في الجنوب، وتأكيده الصريح: "إن مرتفعات علي الطاهر لم تعد تشكل تهديداً لإسرائيل، وقضينا على أعداد كبيرة من المسلحين". وجاء الموقف الأكثر دلالة وخطورة على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي جزم بأن السيطرة على هذه التلة الاستراتيجية تمثل "نهاية استكمال المنطقة الأمنية"، معلناً بوضوح أن "تل أبيب لن تنسحب من هذه المنطقة حتى يقدم حزب الله على تسليم كامل سلاحه". يحمل هذا الموقف أبعاداً بالغة الحساسية ويُسقط عملياً أي ادعاءات بأن التوغل مجرد عملية تكتيكية محدودة، ويكرس مخطط تحويل الجنوب إلى منطقة عازلة واحتلال مفتوح بحكم الأمر الواقع، مستفيداً من سيطرته بصورة مباشرة على مناطق واسعة واستراتيجية في جنوب لبنان.

 

وعلى وقع هذا التغول الميداني، يترنح المسار التفاوضي الدبلوماسي؛ فاتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه برعاية أمريكية أواخر يونيو الماضي ما زال مشلولاً، ولحق به سريعاً مشروع "المناطق التجريبية" المخصص لاختبار انسحاب جيش الاحتلال تدريجياً مقابل انتشار الجيش اللبناني، قبل أن تُفرغه تل أبيب من مضمونه بذريعة أن "الجيش اللبناني لم يحقق التقدم المطلوب لإنهاء المظاهر المسلحة وتفكيك بنية التسلح الحزبي". ولم تكن خطوة إفراج إسرائيل عن عدد من الأسرى اللبنانيين عبر معبر الناقورة سوى مناورة أمنية وسياسية تكتيكية، حيث سارعت إلى ربط هذا الملف الإنساني بابتزاز تفاوضي تمثل في المطالبة بالكشف عن مصير واستعادة رفات أحد عشر يهودياً لبنانياً اختفوا إبان الحرب الأهلية في ثمانينيات القرن الماضي. والمفارقة الصارخة هنا تكمن في البُعد السيادي والقانوني؛ فهؤلاء المفقودون هم مواطنون لبنانيون كاملو المواطنة، وتندرج مأساتهم حصراً في سياق الجرح اللبناني وملف آلاف المفقودين والمخطوفين من كافة الطوائف اللبنانية خلال سنوات الاقتتال الداخلي؛ فبأي مسوّغ قانوني أو سياسي تنصّب إسرائيل نفسها وصية على مواطنين لبنانيين وتجعل من قضيتهم ورقة ضغط ضد الدولة اللبنانية؟ إن هذا التوظيف "الوقح" يؤكد أن الترتيبات المتجزأة وصفقات التبادل المشروطة ليست سوى أدوات لتكريس الاحتلال وإغراق لبنان في متاهات أمنية لا تنتهي.

 

وأمام هذا الانسداد الميداني، تحركت الدبلوماسية اللبنانية عبر جولات رئيس الجمهورية جوزيف عون الخارجية نحو واشنطن وأنقرة وأثينا، إلا أن هذا الحراك سرعان ما اصطدم بالجدار نفسه؛ إذ كيف يمكن للخارج أن يمنح لبنان طوق نجاة بينما تقف المعضلة الجوهرية في الداخل دون حل، حيث القرار الوطني مُصادر وسلاح الميليشيات يُعطل قيام الدولة؟ كما يسود الأوساط الدولية أجواء امتناع لتقديم مساعدات دون ضمانات بإنجاز الإصلاحات في الدولة، وحسم استحقاق حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم. وكذلك بقيت نتائج لقاءات الرئيس عون مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس أسيرة بيانات المجاملة والوعود الفضفاضة، مؤكدة أن المنابر الخارجية لا تعوض غياب الإرادة السيادية في الداخل.

 

لقد تجلى هذا العجز في إسقاط استحقاق تفكيك السلاح الموازي من جدول الأولويات الوطنية؛ إذ طُوي ملف نزع سلاح حزب الله والتشكيلات الخارجة عن الشرعية في خضم الانقسام السياسي الحاد، واستكانت القوى الحاكمة لسياسة الانتظار العقيم لما ستؤول إليه التفاهمات أو المواجهات الكبرى بين طهران وواشنطن. إن استمرار رهن مصير البلاد بالحسابات الإقليمية، ومصادرة قرار الحرب والسلم خارج قبة المؤسسات الدستورية، أدخل لبنان في نفق المجهول؛ فلا منظومة السلاح الحزبي استطاعت منع قضم التلال والقرى وحماية الجنوب، ولا غيابه المنظم سمح للدولة بفرض شروطها وحماية شعبها تحت مظلة القرارات الدولية والشرعية الدبلوماسية.

 

ويترافق هذا الشلل السيادي مع انهيار داخلي بلغ قاعاً غير مسبوق؛ فالأزمات المعيشية، والمالية، والخدماتية باتت تهدد الوجود الاجتماعي للبنانيين، بينما تسير خطط الإنقاذ والإصلاحات البنيوية بـ«بطء السلحفاة» داخل أروقة مؤسسات مشلولة بالمحاصصة والتعطيل. ولا يمكن بأي حال فصل هذا التردي الاقتصادي عن تغييب السيادة الوطنية؛ إذ يمتنع المجتمع الدولي والأشقاء العرب عن ضخ المساعدات وفتح مسارات إعادة الإعمار لدولة سائبة الحدود، وقرارها الاستراتيجي مرتهن في قبضة الميليشيات.

 

خلاصة القول: إن كل محاولات التجميل الدبلوماسي والالتفاف على الأزمات ستظل دوراناً بائساً في حلقة مفرغة، ما لم تدرك القوى اللبنانية الحقيقة الصريحة التي لا مناص منها: لا خروج من التيه، ولا استعادة للجنوب المحتل، ولا قيامة لاقتصاد منهار، إلا بالانتهاء الفعلي والعملي من ازدواجية السلاح، ونزع أسلحة كافة الميليشيات دون أي استثناء، وفرض السيادة الكاملة للدولة اللبنانية وحصرية قرارها السياسي والعسكري في يد مؤسساتها الدستورية وجيشها الوطني وحده. إن استعادة الدولة لهيبتها وقرارها الحر هي المدخل الإلزامي والوحيد لفرض الانسحاب الإسرائيلي، وبناء وطن حقيقي آمن، مستقر، ومحصن ضد رياح الخارج.