فائق حميصي: هذه رحلتي من تأمل الشجر والغيوم إلى ريادة فن الإيماء

فائق حميصي: هذه رحلتي من تأمل الشجر والغيوم إلى ريادة فن الإيماء

 

 

أجرى اللقاء: نبيل شحاده

في زمن تحاصرنا فيه الثرثرة والكلمات الفارغة، يكسر الفنان فائق حميصي الصمت، ليقيم على خشبة المسرح مملكة للتعبير والحواس، فيحوّل الحركات البسيطة إلى مواقف فنية وجمالية لا غنى عنها. حمل هذا الفن الصعب وأمضى عمره مكرساً حياته لإيقاعات الصمت، فبدا وكأنه استثناءٌ فريدٌ وعلامةٌ فارقة؛ وفي الجزء الأول من هذا اللقاء يأخذنا الأستاذ حميصي في رحلة حميمة ومبكرة نحو العتبات الأولى لتشكّل وعيه، حيث نكتشف كيف وُلِد الشغف بفن الحركة بعيداً عن صخب الكلمات والخطابة، وليجد جذوره الأولى في طفولة خلت من التلفزيون واعتمدت على سحر الحكايات الرمضانية والتأمل الخالص لغيوم السماء وأشجار الطبيعة. يستعرض هذا الجزء محطات مفصلية انطلقت من رغبة بسيطة في الحصول على مئة ليرة من دار المعلمين للتحرر المادي، مروراً باكتشافه لعوالم النكتة الخرساء وكشافة الجراح وفرقة "أبو سليم"، وصولاً إلى اللحظة الفارقة التي وجهه فيها الصحفي إبراهيم زود نحو تخصص "البانتوميم". كما يضيء هذا القسم على رحلة العبور الكبرى إلى فرنسا، وتحديداً التحاقه بمدرسة مونتروي تحت إشراف جوليان غابرييل، وتمرده على قوالب مارسيل مارسو التقليدية ليبتكر مشروعه الخاص القائم على "التقاسيم الحركية" وصراع العناصر في المشهد المسرحي، متخذاً من طقوس التراث الشعبي اللبناني ورقصة "السيف والترس" رافداً أساسياً لمسيرته الفنية.

 

1- دعنا نبدأ من تلك الشرارة الأولى: وسط عالم يزدحم بالكلمات ومليء بالضجيج والأحداث، ما الذي جعل شاباً في طرابلس (كان يسعى للحصول على مئة ليرة من دار المعلمين) يختار أن يعبّر عن روحه وهواجسه بلغة الجسد والحركة، لا بالخطابة ولا بالكلام؟

جواب: الإجابة على هذا السؤال الضخم صعبة؛ لأننا من الصعب أن ندرك لماذا نختار وكيف اخترنا. علينا أن نراجع معطيات كثيرة. أعتقد أنه يجب أن نعود إلى الطفولة التي كانت مصدر الرغبة في التعبير بالحركة.

أنا من الجيل الذي تربى ونشأ دون تلفزيون؛ يعني دون وسائل اتصال موجودة في المنزل، باستثناء راديو لا يُفتح إلا بواسطة الوالد ليستمع إلى الأخبار. وقلّما كنا نستمع إلى الأغاني، لكن كنا نستمع في شهر رمضان لبرنامج "قصص من القرآن". الحقيقة هذا البرنامج كان يثير اهتمامي لأنه كان يستنفر إمكانياتي في تخيل ما يُروى عن أيام الأنبياء القدماء؛ ماذا حدث معهم وطبعاً في أجواء غريبة عجيبة لم أكن أعرفها، فأضطر إلى تخيلها.

كان التخيّل الحافز الأول الذي وجّهني نحو التعبير المتخيّل؛ فبما أنني كنت أشعر بالسعادة حين أتخيّل ما أسمعه، أدركتُ أن المُشاهد سيشعر بالسعادة ذاتها حين يستكشف ما يراه. يكفي أن أُشير بحركاتي إلى ما حولي أو ما بيدي، ليتخيله المتلقي دون حاجةٍ لرؤيته في الواقع. وإذا كان الاكتشاف ممتعاً لي كمستمع، فهو بالضرورة ممتعٌ للمشاهد لكي يتذوق ما يراه.

راودتني هذه الأفكار منذ صغري، حين كنت أتأمل غيوم السماء المتنوعة وأنسج حولها الحكايات؛ فأرى فيها أماً تحمل طفلها، وأباً يمسك بيد ابنه، أو حصاناً يركض، وأفعى تزحف، وآخر يهرب خائفاً. ثم انتقلتُ إلى مراقبة الأشجار وأنسنتها بإسقاط مشاعر بشرية عليها؛ فهذه شجرة تميل نحو الأخرى حباً، وتلوح بأغصانها تجاهها. هذا المناخ كله عزز لدي ملكة التخيّل والابتكار، فصرتُ أمنح الأشياء الجامدة شخصيات ومشاعر، وهو ما قادني في النهاية إلى تقدير قيمة الحركة؛ فكنتُ أقضي ساعاتٍ طوالاً أتأمّل صُنّاع الفرش وهم يعملون بالقطن والصوف. وكانت سهراتنا المنزليّة تلتفّ حول حكايات يرويها الكبار؛ ومنها قصةٌ رواها أبي عن فنان بالوما [من فعل أومأ] جاء من فرنسا إلى مصر ليتحدى الجميع بفنه، دون أن يجرؤ أحدٌ على مواجهته. وحين استفسرتُ عن ماهية هذا الفن، قيل لي إنه (التمثيل بالحركة). أثارتني الفكرة بشدة، وتمنيتُ أن أكون مثل ذلك الفنان الفرنسي الذي لا أعرف عنه شيئاً. ومن هنا، بدأتُ في تأليف ما يُشبه (النكتة الخرساء)، قبل أن أنتقل منها إلى تقديم مشاهد تمثيلية كاملة دون نص، تُحاكي مواقف وحالاتٍ يعيشها رفاقي في الحي.

بدأت حكايتي مع المسرح الصامت حين التحقتُ بجمعية كشافة الجرّاح في سن التاسعة؛ إذ شكّل ذلك طريقي للتعرف على فرقة الجرّاح الفنية بقيادة الفنان صلاح تيزاني (أبو سليم). كان تيزاني يحيي حفلاتٍ تمثيلية أسبوعية على خشبة نادي المسرح، وكان من عروضها ما هو صامت. ولا تزال الذاكرة تختزن تفاصيل مشهدٍ استثنائي جسّد آنذاك معركة تحرير الجزائر؛ إذ أُغرمتُ بهذا الفن الصامت الذي يمنح المتلقي مساحةً حرّة لتخيّل الأحداث والمشاركة في صنع اللوحة الفنية، متفوقاً في تأثيره على العروض الحوارية التقليدية.

ومع انتقال صلاح تيزاني إلى التلفزيون بشخصية (أبو سليم)، تولى عبد الله حمصي (أسعد) قيادة الفرقة. وفي تلك الأثناء، أراد مفوض الكشافة تشكيل فرقة جديدة، فتقدمت للانضمام إليها، فسألني حمصي: (ماذا تعرف عن التمثيل؟)، فأجبته: (أعرف أن أروي نكتة خرساء). استغرب من جوابي، فقدمتُ له مشهداً نال إعجابه الشديد، ليقرر فوراً: (هذا جميل، ستعد لنا مشهداً كل أسبوع لنقدمه في حفلة يوم السبت).

وهكذا أصبحتُ عضواً في الفرقة أقدم مشهداً حركياً، إلى أن زارنا ذات يوم الصحفي الطرابلسي إبراهيم زود، الذي كان يكتب في مجلة بيروتية، وسألني: (أتدرك ماذا تفعل؟)، فأجبته مستفهماً، ليقول: (هذا فنٌّ يُسمى الإيماء وليس مجرد نكتة خرساء، ويمكنك التخصص فيه). زرعت هذه الكلمات الفكرة في رأسي، وعندما وصلت إلى المرحلة الثانوية، أبلغت والدي برغبتي في دراسة التمثيل، لكنه اعترض بشدة. وحسماً للخلاف، اقترحت الالتحاق بدار المعلمين لأعمل مدرساً؛ وكان هدفي الحقيقي التحرر من سلطته المالية، والحصول على منحة بقيمة مئة ليرة، لأتابع دراستي الثانوية ليلاً، لأن دبلوم دار المعلمين لا يؤهلني للالتحاق بالجامعة مباشرة.

وهكذا كان، التحقتُ بالجامعة وتتلمذتُ في دروس خاصة على يد مدرس مادة التعبير الجسماني الأستاذ موريس معلوف. وحين طلبتُ منه تعليمي فن الإيماء، سألني عما أعرفه، فقدمتُ له مشهداً، فقال لي إنني أحتاج لتعلم بعض التقنيات والمبادئ فقط. وبالفعل، علّمني إياها، وقدمتُ أول عمل إيمائي لي عام 1972 وأنا لا أزال طالباً، وذلك على مسرح كولبنكيان في كلية بيروت الجامعية (BUC) التي أصبحت فيما بعد "الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU).  نال العرض نجاحاً كبيراً، وصفق لها الجمهور، واحتفى به النقاد قائلين: (أصبح لدينا مارسيل مارسو)، لكنني لم أكن أريد أن أكون نسخة منه.

 

2- حين سافرت إلى فرنسا في منتصف السبعينيات والتحقت بمدرسة مونتروي للإيماء، حملت معك شيئاً من إيمائيات مجتمعنا الفطرية ودمجتها بالمعايير الأوروبية. ولما عدت إلى لبنان، هل كنت تشعر أنك تحمل "لغة سرية" جديدة على هذه الأرض؟ وكيف استقبلت البيئة الفنية في لبنان آنذاك هذا الوافد الجديد الصامت الناطق بالحركة؟

جواب: حين ذهبتُ إلى باريس للتخصص العالي، كنتُ أظن نفسي في لبنان ممثلاً إيمائياً مكتملا كما وصفتني جماعة النقاد، بل واتخطى الإيمائيين الأوروبيين الذين شاهدتُ عروضهم في مسارح فن الشارع في باريس. غير أن مشروعاً آخر كان يدور في ذهني؛ إذ نشأتُ منذ صغري على مشاهدة أفلام شارلي شابلن، وباستر كيتون، والإخوة ماركس، وغيرهم الكثير ممن تميزوا عن مارسيل مارسو باعتمادهم على فن الحركة الفعلي لا مجرد الإيحاء بها، فكانت حركاتهم وإيقاعها هي الأساس في أدائهم.

 

فلما وصلتُ إلى باريس، نصحني الجميع بأنه لا توجد في الجامعة دراسة متخصصة في فن الإيماء الخالص، بل تقتصر الدراسات العليا فيها على التعبير الجسماني أو المسرح الحركي؛ لذا تعين عليّ التوجه إلى مدرسة "مارسيل مارسو" الخاصة إن أردتُ دراسة الإيماء بذاته. وبالفعل، قصدتُ المدرسة بعد تسجيلي في الجامعة، وقابلتُ السكرتيرة لطلب الالتحاق، فبادرتني ببعض الأسئلة ثم قالت متعجبة: "ولكنك ممارس للإيماء بالفعل!". وحين أخبرتُها برأي مارسيل مارسو في هذا الفن، حددت لي موعداً للقائه، حيث قدمتُ أمامه مشهداً إيمائياً. وبعد أن طلب مني استعراض المزيد، قال لي: "أنت تتقن كل ما ندرّسه هنا في هذه المدرسة، فما الذي جاء بك إذن؟"، فشرحتُ له رؤيتي وأحلامي في أن يصبح المسرح مسرحاً إيمائياً حركياً متكاملاً، لا مجرد مسرحٍ يسرد الحكايات الفردية، إذ كنتُ أتطلع إلى التخلص من نمط "النكتة الخرساء".

فَنَصَحَنِي بالذهابِ إلى مدرسةِ "مونتروي"، حيث يُدرّس زميلُه "جوليان غابرييل"، الذي كان مُخرِجاً لكافةِ المشاهدِ الحركيةِ في سيركِ "دي سولاي" الشهير (سيرك الشمس الفرنسي). وأخبرني بأنه يُجْري تجاربَ وبحوثاً على ذاتِ النوعِ المسرحيِّ الذي كنتُ أطمحُ إليه. وبالفعل، قصدتُ المدرسةَ وكانت المفاجأةُ أنَّ "جوليان غابرييل" كان يتطلعُ إلى إدخالِ الموسيقى والعناصرِ الصامتةِ، إلى جانبِ التمثيلِ الحركيِّ وتشكيلِ المجاميعِ المسرحية. فانتسبتُ إلى تلك المدرسة، واكتسبتُ فيها معرفةً عميقةً بيُسْرِ تقديمِ الأعمالِ المسرحيةِ؛ إذ غدا بمقدورِكَ إيجاد صراعٍ مشهديٍّ حركيٍّ بَدَلَ الاعتمادِ على الروايةِ التقليدية، بحيث يرى الجمهورُ الصراعَ ويتفاعلُ معه عبرَ تحرّكِ الممثلينَ وتَشَكُّلِ عناصرِ المشهدِ على خشبةِ المسرح

بَيْدَ أنَّ صوتاً في داخلي كان يهمس لي بأنني أمتلك ميزة خاصة، لاسيما أثناء الارتجال؛ وهي قدرتي على إعادة الحركات ذاتها بإيقاعات مختلفة، مما يُولّد مشاعر مختلفة ومتباينة لدى المشاهدين. ويبدو أن هذه الميزة نابعة من مسيرتي وتجارب حياتي، وهي ما أطلقتُ عليه لاحقاً اسم "التقاسيم الحركية". لقد استلهمتُ هذا المفهوم من معرفتي اللصيقة بالموسيقى؛ ففي الموسيقى العربية تبدأ "التقاسيم" بالنقر أو العزف المنفرد (الزن)، ثم تولد جملة موسيقية واحدة يتم التنغيم عليها وتنويعها حتى تصل إلى مرحلة الغناء. هذه التقنية بالذات هي ما لفت نظر "جوليان غابرييل"، ونصحني بالتوسع فيها وتطويرها.


"قبيل قراري بالعودة إلى بيروت، كنتُ قد قدمتُ في باريس عرضاً مسرحياً مع فرقةٍ صغيرةٍ ضمت ثلاث ممثلات من خريجات مدرسة "مونتروي"؛ حيث أنجزنا مسرحيةً قصيرةً تتمحور حول حياة المسنّين. وقد ارتكز العمل على تسجيلاتٍ صوتيةٍ واقعيةٍ لنساءٍ مسنّاتٍ جمعناها من داخل مصحاتٍ ودورٍ للعجزة، ثم قمنا بتصميم وبناء حركاتنا التعبيرية على الخشبة لتتماشى بدقةٍ مع ما نسمعه من تدفقٍ وإيقاعٍ في ذلك الشريط المسجل.

والمهم هنا أنني عندما عُدت، كنتُ أعلم يقيناً ما ينتظرني؛ وكان السؤال الأول: لماذا غبتُ طوال هذه الفترة الممتدة من عام 1972 حتى 1979؟ والسبب في ذلك يعود إلى مشاركتي مع أستاذي "موريس معلوف" كممثلٍ في عمله الإخراجي "فدعوس يكتشف بيروت"؛ إذ كان يطمح في عمله التالي إلى استعراض قدراتي الإيمائية، بينما كنتُ أنا أتطلع إلى إبراز الإمكانات المسرحية لتشكيل الحركة على الخشبة، وكيفية توظيفها لخلق مناخات درامية. وقد استلهمتُ هذه الأجواء من مشاهدات طفولتي؛ لاسيما احتفالات الطرق الصوفية في "خميس المشايخ"، وهم يدورون بالرايات في رقصٍ أشبه بالطقس الصوفي. كما تأثرتُ برقصة "الدبكة" التي تعلمتُها من مصادرها الأصلية أثناء انخراطي في الفرقة الفنية للكشافة، فأدركتُ حينها أن الدبكة ليست مجرد حركات راقصة، بل هي حالات تعبيرية يجسدها الراقصون عبر إيماءات تمثيلية. ومن هنا، شكلت رقصة "السيف والترس" منطلقي الأساسي؛ فهي لعبة تمثيلية بامتياز وليست قتالاً حقيقياً، حيث يتظاهر المؤدون بالنزال دون أذى، ضمن رقصةٍ قوامها خطوات وحركات مدروسة، وهو ما دفعني لتلقنها ودراستها على يد راقصٍ محترف في هذا الفن الشعبي.

 

إنَّ كُلَّ ما سَرَدتُّهُ لكَ آنفاً يندرجُ ضِمْن سياقِ دراساتٍ وأبحاثٍ أجريتُها في جامعةِ باريس، تمحورتْ حولَ مَعرفتي بفنَّيِ الحركةِ والتعبير. وتَوَّجتُ هذه المسيرةَ بإعدادِ دراسةٍ بحثيةٍ مُتخصصةٍ عن "البانتوميم" أو الإيماء الصامت في الثقافة اللبنانية؛ وحللتُ فيها الحركاتِ الجسديةَ والإشاراتِ التعبيريةَ التي نستخدمُها كبدائلَ عن الكلامِ المنطوق، مثل إيماءات: "انتظر"، و"اذهب من هنا"، و"تعال إلى هنا". كما شمل البحثُ رصدَ الكيفيةِ التي يُعبر بها الجسدُ ككتلةٍ متكاملةٍ عن الانفعالاتِ النفسية، كحالاتِ الحزنِ والزعلِ مثلاً؛ حيث قمتُ بإحصاءِ تلك الحركاتِ وتصنيفِها ودراستِها دراسةً علميةً دقيقة.

ولما عُدتُ إلى بيروت، واجهتُ تحدي ردم الفجوة الزمنية الممتدة بين عامي 1972 و1979، وهي السنة التي رجعتُ فيها؛ فكيف سيتذكرني الجمهور اللبناني كفنان إيمائي بعد كل هذا الغياب؟ وتجنباً لصدمة المتلقين، آثرتُ أن أستهل عودتي بتقديم عملٍ كلاسيكي حكاياتي، يشبه أسلوب "مارسيل مارسو" الذي عهدوه فيّ وأحبوه قبل سفري. بعد ذلك، ولجتُ إلى عالم "المهرج" الذي أحبه وأكنّ له تقديراً عميقاً، وأثمّن أبعاده التربوية والاتصالية مع الطفل. وفي عام 1983، انتقلتُ إلى مرحلة ما أسميته "التقاسيم الحركية"؛ حيث قدمتُ عرضاً متكاملاً يرتكز على فكرة البدء بنواة حركية صغيرة، تتسع تدريجياً وتنتشر عبر أجساد مجموعة من الممثلين، بالتوازي مع إدخال الموسيقى الحية.  كما ركزتُ في هذا العرض على التعبير باليدين وحدهما، مستلهماً ذلك من طبيعتنا الثقافية التي تُكثر من لغة الجسد والإشارات؛ ففصلتُ حركة اليد وجعلتها مسرحاً قائماً بذاته وجزءاً مستقلاً، يؤدي دوراً تعبيرياً ومشهداً حياً يجسد الحالات الإنسانية، ويصب في عمق فهم ما يدور على أرض الواقع.

 

الجزء الثاني

فائق حميصي: في الصمت بلاغة، وفن الإيماء يفضح الاستهلاك والضجيج

في الجزء الثاني من لقائنا مع الأستاذ والفنان فائق حميصي سنتعرف إلى التجربة الأكثر قسوة وعمقاً في مسيرته، وهي مواجهته لسنوات الحرب الأهلية اللبنانية على خشبة مسرح صامتة تتحدى دوي الرصاص والخطاب الطائفي الأعمى. كما يسلط الضوء على تحول الإيماء بين يديه إلى أداة نقدية واعية لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تستفز عقل المتفرج وتوقظ فيه قدرات التفكير والتحليل، متأثراً بفلسفة الكاتب والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز. كما يتناول الحوار تجربته الطويلة أستاذاً للتمثيل والإيماء في الجامعة اللبنانية، صادماً طلابه بضرورة اكتشاف أعماقهم الجسدية والذهنية بعيداً عن التلقين السهل والجاهز. ويختم برؤية استشرافية عميقة لفلسفة "الحركة التي لا تكذب" في مقابل طوفان الاستهلاك الرقمي، مؤكداً أن المستقبل الحقيقي للإنسانية سيقوده الصمت والعمق الحركي لا الثرثرة والضجيج.