ضربات أميركية تستنزف المنطقة ولا تحسم المواجهة مع إيران
نستراك - شهدت الساعات الأخيرة تصعيداً عسكرياً بالغ الحساسية أعاد المواجهة بين واشنطن وطهران إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي. وجاء استئناف الضربات الجوية والصاروخية الأميركية في عمق الأراضي الإيرانية ليل الأول من أيلول / سبتمبر ليعكس حقيقة راسخة مفادها أن فترات الهدوء السابقة لم تكن سوى هدنة هشّة. وتطرح هذه الجولة تساؤلات ملحة حول الخيارات المستقبلية والتداعيات الميدانية والسياسية، وصولاً إلى كيفية تعامل الرئيس دونالد ترامب مع أزمة مفتوحة ما زالت تفتقر إلى خطة نهاية استراتيجية.
المشهد الميداني ورقعة الاستهداف في الداخل الإيراني
انطلقت الموجة الجديدة من الضربات الأمريكية، التي نفذتها القيادة المركزية "سنتكوم"، رداً على قيام قوات إيرانية باستهداف ومضايقة سفن تجارية وناقلات نفط كانت تسلك المسار الجنوبي للخروج من مضيق هرمز. امتد الرد الأميركي ليوجه ضربات ضد بنك أهداف داخل محافظات إيرانية عدة، لشل القدرات التي يعتمد عليها الحرس الثوري في رصد خطوط الملاحة وتعطيلها.
وتركز القصف الأمريكي جغرافياً على الشريط الساحلي لمحافظة هرمزغان والجزر المطلة مباشرة على الممر المائي، حيث استُهدفت جزيرة لارك الاستراتيجية التي تضم منصات رادار وبنية تحتية بحرية تشرف على حركة المضيق، إلى جانب قضاء سيريك الساحلي وتحديداً بلدة كوهستك المطلة على بحر عُمان، حيث طال القصف مراكز مراقبة وتوجيه، فضلاً عن نقاط رصد ومواقع دعم لوجستي ممتدة شرقاً نحو شواطئ كنارك وتشابهار. كما تركز الرد أيضاً في العمق الجنوبي الغربي بمحافظة خوزستان، حيث استهدفت الصواريخ الأمريكية ثلاث نقاط عسكرية في محيط مدينتي الأهواز وآغاجاري. وطبقاً للتقارير الميدانية، فقد دمرت محطات الرادار النشطة، ومنظومات الدفاع الجوي الساحلية، ومراكز الاتصالات، والمنصات المخصصة لإطلاق الصواريخ المضادة للسفن ونشر الألغام البحرية. وفي المقابل، أعلنت طهران توجيه رد عسكري تمثل في إطلاق رشقات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت قواعد أمريكية ومنشآت تابعة لحلفائها في أربع دول بالمنطقة.
مسارات الأزمة: الخيارات المطروحة وتداعياتها الميدانية والسياسية
تقف المواجهة الحالية أمام ثلاث مسارات رئيسية، يحدد كل منها طبيعة التحركات الميدانية وانعكاساتها السياسية على المنطقة:
المسار الأول: حرب الاستنزاف المحسوبة والردع المعاير
يقوم هذا الخيار على استمرار الطرفين في إدارة اشتباك تكتيكي مضبوط، حيث تواصل إيران عمليات التحرش المتقطع بالناقلات في محاولة للتحكم بمضيق هرمز، بينما ترد القوات الأمريكية بضربات دقيقة تستهدف منصات الإطلاق ومحطات الاستشعار دون المساس بالنظام أو بنيته التحتية الشاملة.
ميدانياً، يؤدي هذا المسار إلى تآكل بطيء في البنية الدفاعية الإيرانية وإجبار قواتها على التحول إلى خلايا إطلاق متنقلة وتكتيكات لا مركزية، مع بقاء الملاحة البحرية تحت تهديد مستمر يدفع شركات التأمين لرفع رسومها وتغيير السفن لمساراتها. كما يفرض هذا الواقع استمرار الهجمات الصاروخية الانتقامية ضد القواعد الأمريكية في دول الجوار.
سياسياً، يكرس هذا الخيار معادلة "لا حرب ولا سلام"؛ فلا واشنطن يبدو أنها تريد تحقيق الردع الكامل وتأمين المضيق نهائياً، ولا طهران ستتمكن من فرض كسر الحصار المفروض عليها. وستظل أسواق الطاقة رهينة لتقلبات تتحكم بها تطورات المنطقة، ما يعرقل جهود كبح التضخم العالمي ويضع الحكومات الإقليمية المستضيفة للأصول الأمريكية في حرج بالغ لتجنب تحول أراضيها إلى ساحات استنزاف دائم.
المسار الثاني: الانزلاق نحو المواجهة المفتوحة والاشتعال الشامل
ينشأ هذا الخيار نتيجة خطأ في الحسابات التقديرية الميدانية، كأن تؤدي ضربة إيرانية إلى إغراق بارجة أمريكية أو مقتل عدد كبير من الجنود، أو أن تسفر غارة أمريكية عن خسائر مدنية ضخمة أو تدمير منشأة اقتصادية حيوية، مما يدفع الأمور خارج نطاق السيطرة.
ميدانياً، ستنتقل واشنطن إلى استهداف الموانئ الرئيسية كميناء بندر عباس، وجزيرة خارك النفطية، ومخازن الصواريخ الباليستية ومراكز القيادة في عمق إيران. وفي المقابل، ستلجأ طهران إلى إغلاق قسري لمضيق هرمز بنشر كثيف للألغام واستهداف مباشر لكافة السفن والمنشآت النفطية في الخليج، بالتوازي مع تفعيل هجمات صاروخية منسقة عبر مختلف حلفائها الإقليميين.
سياسياً، يعني هذا المسار صدمة كبرى للاقتصاد العالمي وارتفاعاً قياسياً في أسعار الطاقة يقود إلى ركود تضخمي غير مسبوق. كما سيمثل ذلك ضربة قاصمة لأجندة ترامب الداخلية القائمة على تجنب النزاعات الخارجية، فضلاً عن إعادة تشكيل الاستقطاب الدولي بمنح روسيا والصين فرصة لتعزيز نفوذهما الدبلوماسي والسياسي تحت مظلة تكتلات مثل منظمة شنغهاي لدعم طهران والحد من الهيمنة الأمريكية.
المسار الثالث: التهدئة القسرية عبر صفقة لأمن الممرات البحرية
ينطلق هذا الخيار من قناعة بأن الضربات لا تؤدي الهدف الاستراتيجي منها، فيذهب الطرفان مجدداً إلى طاولة تفاوض مباشر أو غير مباشر برعاية وسطاء إقليميين، لبلورة اتفاق حقيقي يضمن أمن الملاحة مقابل تفاهمات سياسية واقتصادية محددة.
ميدانياً، يتضمن هذا المسار وقفاً متبادلاً للغارات الأمريكية داخل إيران مقابل التزام طهران بتأمين حرية الملاحة ووقف استهداف السفن والقواعد الأمريكية، مع تأسيس آليات مراقبة فنية تمنع الاحتكاك البحري في هرمز.
سياسياً، يتيح هذا المخرج للإدارة الأمريكية تسويق الاتفاق كانتصار لمبدأ "السلام من خلال القوة"، وإعلان نجاح استراتيجية ترامب في ردع الخطر وحماية التجارة الدولية دون توريط البلاد في حرب مفتوحة. وفي الوقت ذاته، يمنح الاتفاق القيادة الإيرانية فرصة لتفادي تدمير ما تبقى لديها من قدراتها العسكرية وتخفيف الضغوط الاقتصادية، مع العودة لأطر تفاهم أمنية ترعى مصالحها الحيوية.
معضلة ترامب: كيف ينهي أزمة بلا أفق استراتيجي واضح؟
يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه أمام معادلة استراتيجية شديدة التعقيد في التعاطي مع الملف الإيراني؛ إذ ترتكز فلسفته السياسية على إظهار الحسم العسكري والردع الصارم، لكنها تصطدم في الوقت ذاته برفضه القاطع التورط في حروب برية استنزافية طويلة الأمد تخالف تعهداته بإنهاء النزاعات الخارجية.
ولإنهاء هذه الدوامة دون الانزلاق إلى مستنقع حرب إقليمية، تعتمد إدارة ترامب على مقاربة براغماتية معقدة تقوم على محاور محددة:
تعتمد المقاربة أولاً على إعادة تعريف مفهوم "الإنجاز العسكري" أمام الجمهور الأمريكي. فالرئيس ترامب لا يسعى إلى تغيير النظام الإيراني بالقوة العسكرية لعلمه بعدم واقعية هذا الخيار وكلفته الكارثية، بل يركز على تدمير الأصول العسكرية المرتبطة بتهديد الملاحة لإعلان "تحقيق الأهداف وتأمين الممرات البحرية"، وهو ما يمنحه مخرجاً سياسياً لوقف إطلاق النار من موقع القوة.
كما تميل الإدارة الأمريكية ثانياً إلى الصفقات المباشرة؛ إذ يرى ترامب في التصعيد العسكري مجرد أداة لرفع كلفة التعنت الإيراني وإجبار طهران على قبول اتفاق يركز على وقف الأنشطة المهددة للملاحة وضبط الصواريخ الباليستية، مقابل تخفيف بعض القيود، بما يضمن استقرار أسعار النفط ويمنع زيادة معدلات التضخم التي تشكل التهديد الأكبر لشعبيته ومساره الاقتصادي في الداخل.
ويضاف إلى ذلك محاولة واشنطن المستمرة تدويل عبء الحماية البحرية، بمطالبة الدول المستوردة للنفط في أوروبا وآسيا بتحمل حصة من التكاليف الأمنية لتأمين مضيق هرمز، مما يخفف من المسؤولية الأمريكية المنفردة ويوفر غطاءً لتقليص الانخراط العسكري المباشر في مرحلة لاحقة.
والخلاصة تقول: إن عودة الضربات الأمريكية لا يبدو أنها تعكس نية حاسمة في تحقيق ردع نهائي، بل تسلط الضوء على حدود استخدام القوة الجوية التقليدية لفرض معطيات وتطورات سياسية جديدة. وستظل مياه الخليج وبحر عُمان ساحة مفتوحة للاستنزاف المتبادل، ما لم تترجم هذه الضربات العسكرية إلى مسار دبلوماسي واقعي يعالج جذور الاشتباك مع إيران، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع خروقات ميدانية متكررة.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook