بين النار والتنمية: الحسابات الخفية للعدوان الإيراني على السعودية

بين النار والتنمية: الحسابات الخفية للعدوان الإيراني على السعودية

 

نبيل شحاده - منذ اندلاع موجات الاستهداف الصاروخي بالوكالة عام 2015، وحتى الهجوم الأخير الذي استهدف منشآت ومدناً حيوية في جنوب المملكة، تواصل طهران تكريس استراتيجية الابتزاز بالنار ضد المملكة العربية السعودية، في محاولة مستميتة لتصدير الفشل التنموي والسياسي المتراكم في إيران منذ عام 1979، واستدراج النموذج السعودي الناجح إلى دوامة استنزاف مدمرة.

 

تُدرك إيران منذ زمن طويل أنها عاجزة في مواجهة الترسانات الدفاعية والقدرات العسكرية التقليدية المتفوقة للمملكة العربية السعودية وباقي دول الخليج العربية وحلفائها الدوليين؛ لذا استعاضت المؤسسة العسكرية في طهران، ولا سيما "الحرس الثوري"، عن المواجهة المباشرة والمتكافئة بتبني الحروب الهجينة أو كما يسميها الاختصاصيون "الحرب غير المتماثلة" والتي يعتمد فيها الطرف الأضعف على أساليب غير تقليدية وخبيثة لتعويض النقص في قدراته وتجنب المواجهة المباشرة، وتستهدف عزل شبه الجزيرة العربية وحصارها عبر قوس من النار يستند إلى ميليشيات مسلحة طائفية وأسلحة رخيصة مقارنة بتكلفة منظومات الاعتراض المتقدمة للجيوش النظامية.  ويتوزع المخطط الإيراني على أربعة محاور رئيسية:

 

1- المحور الجنوبي ويشمل اليمن ومضيق باب المندب: استثمرت طهران في تحويل ميليشيا الحوثي إلى ذراع هجومية متقدمة مزودة بترسانة صواريخ باليستية ومسيّرات موجهة، لتهديد الملاحة البحرية في جنوب البحر الأحمر، وفرض حرب استنزاف تستهدف مطارات ومنشآت نفطية وتجمعات سكنية مدنية في جنوب المملكة.

 

2- المحور الشمالي في العراق والعمق الإيراني القريب من الدول العربية: استغلت طهران نفوذها الأمني في بغداد لتوظيف الفصائل الطائفية المسلحة الموالية للحرس الثوري كمنصات إطلاق لشن هجمات عبر الأجواء الشمالية تهدف إلى تشتيت جهود المراقبة والدفاع الجوي السعودي على جبهة شاسعة تمتد لمئات الكيلومترات، وتوفير غطاء "النفي والإنكار" لضربات تنطلق بتوجيه إيراني مباشر.

 

3- محور لبنان وسوريا: شكّل هذا المحور تاريخياً الرئة الحيوية لما يُسمى "محور المقاومة" عبر ممر يمتد من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق. غير أن زلزال سقوط نظام بشار الأسد وجّه ضربة قاصمة للعمق الاستراتيجي الإيراني، فانقطعت أوصال الجسر البري وتفككت شبكات الميليشيات الطائفية المتعددة الجنسيات التي كانت تنتشر في الأراضي السورية. على إثر هذا الانهيار، عمدت طهرن إلى إعادة ترتيب ثقلها ونفوذها العسكري والاستخباري ليتحصن في الساحة اللبنانية عبر حزب الله، باعتباره الحاضنة العقائدية والميدانية التي لا تكتفي بتهديد أمن المنطقة من حوض المتوسط، بل تضطلع بالدور التأسيسي في تدريب وتسليح ميليشيات الأدوات الإيرانية في أي مكان بالعالم، وإدارة غرف العمليات المشتركة، وقيادة الحرب النفسية والإعلامية ضد دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، في سعي لتحويل لبنان إلى منصة ابتزاز إقليمية متقدمة لتعويض خسارة الجغرافيا السورية.

 

4- الاستهداف الإيراني المباشر: حينما تعجز الأدوات الوكيلة عن تحقيق المهمات المطلوبة، يبادر الحرس الثوري بالعمل المباشر، فيشن هجمات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ضد أهداف استراتيجية اقتصادية أو مدنية، وكذلك باستهداف ناقلات النفط، وزرع الألغام البحرية في الممرات الدولية الحيوية في استمرار لنهج عدواني متواصل لم ينقطع منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث تؤكد المراجعة التاريخية للوقائع أن هذا التشكيل العسكري احترف تنفيذ وإدارة هجمات مباشرة وتخريبية إرهابية في محاولة يائسة لهز استقرار الخليج العربي والاقتصاد العالمي واستدراج المملكة إلى حرب عبثية ومدمرة ومفتوحة.

 

هذا السلوك المارق والبلطجة العسكرية التي يمارسها الحرس الثوري في المنطقة، لا ينطلقان من فراغ، بل يمثلان في حقيقتهما الأداة التنفيذية لعقل سياسي مأزوم في طهران يُدير أزماته بمنطق المقامرة والمقايضة والصفقات. فالانتقال من إدارة الصراعات عبر القنوات الدبلوماسية المعترف بها إلى الاستثمار في لغة الصواريخ والمسيّرات والقرصنة البحرية، يعكس اعتماد إيران على الإرهاب العسكري كسياسة رسمية تسعى من خلالها إلى تحويل التهديد الأمني إلى مكاسب تفاوضية وضغوط إقليمية للحفاظ على بقاء النظام في طهران. هذا النظام الذي دعا الخميني سابقاً إلى حفظه معتبراً إياه "أهم من حفظ الإمام المهدي نفسه".

 

ومن هذا المنطلق، تتحرك طهران في محاولاتها المستميتة لجر المنطقة الخليجية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية إلى ساحة الحرب بدوافع متعددة، تتلخص في الآتي:

 

1- الهروب من الاختناق الداخلي: يواجه النظام الإيراني ضغوطاً متنامية، وعزلة دولية متفاقمة وأزمات مالية واقتصادية خانقة؛ لذلك يعتبر النظام أن استدعاء "العدو الخارجي" وافتعال مواجهة عسكرية إقليمية واسعة يُعدان الوسيلة الكلاسيكية لإعادة ضبط الجبهة الداخلية وإسكاتها، وتبرير القبضة الأمنية، وكبح الاحتجاجات الشعبية المتكررة.

 

2- ابتزاز المجتمع الدولي والولايات المتحدة: تستخدم طهران كل عملياتها الحربية ومحاولات تعطيل الممرات المائية وضرب المرافق النفطية كورقة مساومة تفاوضية لرفع العقوبات ووقف الحصار الأميركي المفروض على كافة السواحل والموانئ الإيرانية منذ انهيار محادثات إسلام آباد. هذا الحصار جعل النظام الإيراني يواجه اختناقاً كبيراً فلجأ كعادته إلى محاولة "تصدير مشاكله" نحو الجوار.

 

3- يبقى أن نشير إلى هدف لا تعلنه إيران، ولا تتحدث عنه في أدبياتها السياسية وهو تعطيل مشاريع التحول الاقتصادي الخليجي، والذي سيرسخ تحول دول الخليج العربية إلى قطب مالي واقتصادي وتكنولوجي وسياحي دولي؛ لذا يسعى الاستهداف الإيراني المتكرر لزعزعة الاستقرار وبيئة الاستثمار وجعل المنطقة كمسرح حرب غير آمن.

 

إذن، المعركة التي تخوضها طهران ليست مجرد مناوشات مع دول مجاورة أو صراع على النفوذ، بل هي صدام حتمي بين نموذجين متناقضين لمستقبل الشرق الأوسط؛ نموذج خليجي تقوده المملكة العربية السعودية، يراهن على بناء الدولة الوطنية، والاستثمار في الإنسان، واقتصاد ما بعد النفط، وتحويل المنطقة إلى مركز عالمي للتجارة والابتكار، في مقابل مشروع ثوري ديني تقوده طهران منذ عام 1979، لا يقتات إلا على تصدير الفوضى، وبناء الميليشيات الطائفية، وتفكيك الدول، والاستثمار في البؤس والفقر.

إن محاولات الابتزاز الإيراني بالنار رغم خطورتها التكتيكية على الممرات المائية والمرافق الحيوية تصطدم بجدار صلب من الردع الذكي والمرونة الاستراتيجية التي تنتهجها الرياض. فالإدارة السعودية للأزمة لم تمنح طهران المكسب الذي تبحث عنه، وهو الانجرار العاطفي إلى حرب إقليمية شاملة تحرق المنطقة وتوفر للنظام الإيراني طوق النجاة الذي ينشده للهروب من حصاره الداخلي والبحري الخانق. بل قابلت المملكة لغة الصواريخ والمسيّرات بتعزيز دفاعاتها الجوية المتطورة، وتأمين تدفقات الطاقة العالمية، ومواصلة وتيرة البناء التنموي دون ارتباك، مع تفعيل تحالفاتها الدولية وكان أحدثها إبرام "اتفاق مكة" الثلاثي مع تركيا وباكستان من أجل رسم خارطة الأمن الإقليمي وفق عقيدة الدفاع الجماعي وإجهاض محاولات الابتزاز، لتثبت الرياض مجدداً أن قوة بناء الدولة وقوة الردع الرصين كفيلتان بهزيمة مشاريع دولة الميليشيات وإسقاط رهاناتها في نهاية المطاف.