بين غياب المرشد وجنرالات الظل: من يملك القرار الفعلي في طهران؟

بين غياب المرشد وجنرالات الظل: من يملك القرار الفعلي في طهران؟

 

نبيل شحاده - تُظهر المراجعة التفصيلية للتقارير والتحليلات السياسية الصادرة باللغتين العربية والإنجليزية في أعقاب حرب 2026 وما تلاها من ضربات استهدفت البنية القيادية الإيرانية، أن طهران تعيش تحولاً بنيوياً هو الأعمق في تاريخ هذه الجمهورية منذ عام 1989.

طرح اغتيال المرشد علي خامنئي في ضربات فبراير/شباط 2026 تساؤلاً جوهرياً حول هوية المرجعية الحاكمة؛ فالنظام الإيراني طيلة أربعة عقود استند إلى هرمية أحادية يمثل فيها المرشد الأعلى صمام الأمان والقاضي النهائي بين كافة التيارات.

وفق تقارير نشرتها وسائل إعلامية ومنصات إيرانية معارضة، فإن تسمية مجتبى خامنئي في آذار/مارس 2026، جرت في أجواء غامضة ولم تترافق مع ظهور علني مباشر، واقتصر الأمر على بيانات وتصريحات ومراسيم تصدر عنه أو عن مكتبه، ما أطلق تحليلات واسعة حول مدى مصداقية أن مجتبى يدير البلاد فعلياً أم أنه يمثل "مظلة شرعية صورية" لمجموعة عسكرية تتولى الحكم من وراء الستار.

هذا الموضوع رصده معهد دراسات الحرب (ISW) في الولايات المتحدة مطلع أيلول / سبتمبر 2026، فرأى ما يُشبه "المجلس العسكري" كان علي خامنئي عيّن أفراده من داخل الحرس الثوري الإيراني سابقاً، ومنحهم صلاحيات واسعة مشكّلين نواة جديدة لصنع القرار في إيران، وهم من ضغطوا على مجلس الخبراء لتنصيب مجتبى بناءً على توصية من والده، وهم الآن الذين يمسكون عملياً بجميع مفاصل الدولة الأمنية والسياسية والاستراتيجية.

 

هذه المجموعة تشكّلت من القادة المتشددين والمتجانسين الذين لهم تاريخ في حرب العراق وإدارة أجهزة القمع والاستخبارات والفساد، وهم:

أحمد وحيدي: القائد العام للحرس الثوري، وأول قائد لفيلق القدس ووزير داخلية أسبق. وهو يمثل رأس الحربة في خط المواجهة ورفض التنازلات، ويُعتبر المحرّك الأساسي لسياسات التصعيد في مضيق هرمز وإدارة ترسانة الصواريخ والمسيّرات، والمسؤول المباشر عن ضبط الجبهة الداخلية وملاحقة المحتجين واعتقالهم.

محسن رضائي: عُيّن مستشاراً عسكرياً لمجتبى وممثلاً له وأميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. وعودته إلى دائرة القرار تُرسّخ خطاً متشدداً يرفض تقديم تنازلات إقليمية أو بحرية، ومن دعاة إعادة النظر في العقيدة النووية الإيرانية.

حسين طالب: رئيس منظمة الباسيج، والمسؤول عن بناء شبكات استخبارات ومراقبة داخل المجتمعات تمنع أي تحرك شعبي قد يستغل الظروف الاقتصادية المتردية.

محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان وقائد حرس ثوري سابق، ويلعب دور المنسق السياسي ورئيس الفريق التفاوضي، ويحاول دائماً تقديم نفسه كشخصية براغماتية متشددة قادرة على التواصل مع أطراف إقليمية ودولية لحماية النظام دون التفريط بالثوابت.

علي عبد اللهي: رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، ومسؤول تنسيق العمليات بين الجيش النظامي والحرس الثوري ومقر خاتم الأنبياء الذي يمثّل غرفة العمليات الحربية العليا للبلاد.

 

إمساك هذا المجلس القيادي بالقرار الاستراتيجي، وهيمنته المطلقة على مفاصل الدولة ومؤسساتها، ورؤيته بأن أي تراجع أو تنازل تحت الضغط سيعني انهيار المواجهة وفتح الباب أمام سقوط النظام، لم يُلغِ وجود مساحة حركة "مسموح بها" للرئيس مسعود بزشكيان ومَن يسمون أنفسهم بالإصلاحيين من داخل النظام، بل يبدو أنه جرى توظيفها بضوء أخضر ومباركة من المجلس نفسه ضمن هندسة دقيقة لتوزيع الأدوار تمنح "رئيس الجمهورية" هامشاً علنياً للشكوى من قسوة الواقع الاقتصادي، ورفع لواء المطالبة بالحلول المعيشية، والدعوة لوقف الاستنزاف وإعادة إعمار البنية التحتية المتضررة ووقف انهيار العملة والتضخم، وحتى التهدئة والدخول في مفاوضات عاجلة إذا أبدت واشنطن تجاوباً ، وهو ما عكسته تصريحاته الأخيرة التي نقلتها مجلة تايم البريطانية،  وهو ما يحقق للقيادة العسكرية إنتاج مشهد تعددي مضلل للرأي العام الدولي يُوحي بوجود مراكز قوى متباينة تتحمّل مسؤولية تعثر المفاوضات ومناوراتها، وكذلك استخدام "صوت بزشكيان" لامتصاص نقمة المواطنين الذين يعانون من جراء أزمات معيشية مزمنة، وتآكل مدخراتهم وتهاوي قيم مداخيلهم بعدما سجّل الدولار مستويات قياسية بلغت 2.2 مليون ريال إيراني.

 

إضافة إلى ما سبق، تتصاعد الشكوك، اليوم، حول مدى قدرة هذا "المجلس القيادي" على إدارة شؤون البلاد، بعد النفق المظلم الذي دفعها إليه الرئيس دونالد ترامب عبر تشديد الحصار الاقتصادي إلى أقصى درجاته؛ إذ يستند ترامب في منهجيته الحالية إلى قناعة راسخة بأن خنق الاقتصاد الإيراني، وشلّ قطاعاته الحيوية، وتدمير ما تبقى من قيمة العملة، يمثل سلاحاً أكثر نجاعة وفتكاً من الصواريخ والغارات الجوية لكسر إرادة طهران ودفعها نحو القبول بما يشبه الاستسلام. وأمام هذا الحصار المطبق الذي جعل البلاد على حافة شلل تام، باتت مساحات المناورة للمجلس، ضيقة وخانقة أمام واقع معيشي بلغ نقطة الانفجار.

ومن هنا، تتضح المعالم الحقيقية لإيران ما بعد الحرب، وتتبلور الإجابة عن التساؤلات الجوهرية حول بنية السلطة ومسارها القادم، وذلك من خلال ثلاث خلاصات رئيسية:

أولاً: إيران لم تعد دولة الولي الفقيه الذي يملك "كاريزما" الهيبة والسيطرة، وغياب علي خامنئي وغموض وضع مجتبى حوّل النظام عملياً إلى "نظام أمني عسكري"، وبات مؤكداً أن المؤسسة الدينية في قم ومجلس الخبراء باتا ملحقين بقرارات القيادة العسكرية العليا للحرس الثوري.

ثانياً: ازدواجية القرار وتعطيل الحلول، وحديث بزشكيان بلغة إنقاذ الدولة والشعب من الانهيار الاقتصادي، بينما الحرس الثوري يتحدث بلغة بقاء العقيدة والمواجهة العسكرية حتى الرمق الأخير، سيجعل طهران شريكاً تفاوضياً غير موثوق وغير متماسك في نظر واشنطن والغرب.

ثالثاً: تقف إيران أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تفرض ضغوط الأزمات الاقتصادية ومعها حركة الشارع تراجعاً للقيادة العسكرية للقبول بتسوية سياسية مؤلمة، أو تندفع نحو التصعيد الإقليمي الشامل باعتباره الضمانة الوحيدة لحمايتهم من السقوط.