الدكتور باسم فلفل: هذه هي حقيقة العلاقة بين بيروت والدولة العثمانية
أجرى اللقاء: نبيل شحاده
يسلّط الباحث والدكتور باسم فليفل في لقائنا الثاني معه الضوء على طبيعة التحولات الإدارية والسياسية والاجتماعية التي شهدتها مدينة بيروت، وكذلك طبيعة العلاقة الطويلة مع الدولة العثمانية، وكيف تحولت هذه القرية الصغيرة على شاطئ شرق المتوسط وتتبع سنجق دمشق إلى عاصمة ولاية كبرى ذات أهمية أمنية واقتصادية واستراتيجية بالغة. كما يستعرض الدكتور فليفل وبدقة عالية الظروف والأحوال والمواقف في بيروت، في المرحلة التي شهدت سقوط الدولة العثمانية، وبداية الانتداب الفرنسي في المنطقة.
السؤال الأول: انطلاقاً من عمق دراساتكم لتاريخ بيروت، كيف تصفون طبيعة الارتباط بين المدينة والسلطنة العثمانية؟ هل كانت علاقة ولاء سلسة ومندمجة في النسيج الواسع لمفهوم الدولة، أم أنها كانت محكومة دائماً بمسار المصالح المتغيرة؟
جواب: بيروت ببدايات العصر العثماني لم تكن مدينة. كانت أشبه بقرية أو بلدة بأحسن الأحوال، وكانت طرابلس هي المدينة الأهم تقريبا على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، ثم تليها صيدا. بيروت كانت مجرد قرية وحكامها أو أمرائها، يعني المسؤولين عنها كانوا بذلك الزمن من صغار الحكام. وكانت تتبع سنجق دمشق، ولذلك لم تكن علاقة بيروت مع الدولة تختلف عن علاقة أي قرية أو بلدة أخرى، من حيث الولاء للسلطان بوصفه خليفة المسلمين، وتدعوا له على المنابر.
اكتسبت بيروت بعض الأهمية لاحقاً في تاريخها في أواسط العصر العثماني عندما استلمها أحمد باشا الجزار، الوالي العثماني المشهور، طبعا قبل ذلك ازدهرت بعض الشيء في عهد الأمير فخر الدين الكبير، الذي أظهر فيها بعض الاهتمام وبنى فيها البرج الشهير، الذي سُميت ساحة البرج بوسط بيروت نسبةً له، وعمل فيها بعض الحدائق، ومنها حديقة حيوانات كانت ملحقة بقصره في بيروت، وحصّن القلعة الصليبية اللي كانت موجودة ووضع فيها حامية، فعرفت بيروت بعض الازدهار.
صيدا كانت أكثر ازدهاراً، والحركة التجارية فيها كبيرة مع أن مرفأ بيروت أصلح من مرفأ صيدا وأكبر، ولكن الظروف التاريخية جعلت من صيدا آنذاك المدينة الأهم.
وفي العودة إلى أحمد باشا الجزار، فهو تحصّن ببيروت وجدّد دفاعاتها بأواخر القرن الثامن عشر، في وقت كانت الدولة العثمانية في حرب ضروس مع روسيا دامت سبع سنوات. وحينذاك كان أمير جبل لبنان هو يوسف الشهابي، المشهور أنه أول أمير شهابي تنصّر وأظهر المسيحية. وهو في الأصل
بدّل كثيراً الولاءات، فسعى للتحالف مع روسيا، عدوة الدولة العثمانية، وكان عنده استعداد أن يسلم بيروت للروس، ولكن أحمد باشا الجزار المُعيّن من قبل العثمانيين، حصّن بيروت وحماها من الشهابيين وكذلك من الروس، ولكنه بنهاية المطاف، ونتيجة القصف الروسي العنيف، اضطر أن يستسلم ويسلم المدينة للأمير يوسف. كافأت الدولة العثمانية الجزار بسبب قوته وشدته وعيّنته والياً على عكا والمنطقة، فأصبح الأمير يوسف تابعاً له.
وخلال العهد المصري، عندما ضمّ محمد علي باشا الديار الشامية لدولته التي حاول توسيعها من مصر إلى الشام، اعتنى إبراهيم باشا ببيروت، وأجرى عدداً من الإصلاحات بالمدينة، وأنشأ الحجر الصحي قرب مرفأ بيروت المعروفة باسمها الإيطالي، الكارنتينا، وما تزال المنطقة نفسها على أطراف بيروت معروفة بالاسم نفسه.
ازدهرت بيروت مجدداً حين أعلنها السلطان عبد الحميد عاصمة ولاية عثمانية جديدة سنة 1880، فنمت وتطورت، إلى أن بلغت ذروة ازدهارها مع تحولها إلى عاصمة للجمهورية اللبنانية.
أما علاقة السكان أو علاقة المدينة مع السلطنة، فيمكن تقسيم هذه الفكرة لقسمين أو ثلاثة حتى:
أولاً: عامة الناس كانت علاقتهم طبيعية مع السلطنة العثمانية، وطالما الإنسان العادي البسيط تأمن له قوت يومه وليس عنده قلق على الغد، فهو لا يريد شيء من السلطة الحاكمة أياً كان شكلها. والإنسان العادي البسيط، الذي تحكمه ثقافته وعاداته وتقاليده وأعرافه بمثل حالتنا هذه، هي العادات والتقاليد والثقافة الدينية الإسلامية، وهو يعتبر السلطان أو الخليفة شخصاً محبوباً ويميل له، بوصفه سلطان المسلمين، وخليفة المسلمين، وهو المسؤول عن حماية الإسلام، فيدين بالولاء له.
ثانياً: الفئة الأخرى، هي فئة التجار والأرستقراطيين، أصحاب الأموال، وهؤلاء هم المنتفعين، الذين لا يهمهم إلا مصالحهم الخاصة؛ فبالتالي أياً كان الحاكم، وطالما هو لا يمس بمصالحهم الشخصية فهم يؤيدونه ويوالونه. وأنا أزعم أن معظم الأرستقراطيين ببيروت ربما كانوا من هذه الفئة، حسب ما تبين لي خلال إعداد رسالة الماجستير، وفي دراسات أستاذنا الدكتور حسان حلاق، وأستاذنا الدكتور عصام شبارو، وباحثين آخرين مثل سمير قصير، الذي كتب كتابا مطولاً عن تاريخ بيروت بالعصر العثماني.
من خلال هذه البحوث، يبدو أن القسم الأكبر من وجهاء بيروت أو الطبقة الأرستقراطية، كان لديهم نظرة واحدة كعامة الناس للسلطنة. وهذه الطبقة بالنهاية بذاك الزمن هي نتيجة أو ابنة الحضارة والثقافة العربية الإسلامية، وبالنسبة لها، السلطان أو الخليفة طبعا هو شخص محاط بهالة من القداسة، وهو الذي يحفظ بيضة الإسلام، وحامي حمى الإسلام، وما شابه، فكانت تدين له بالولاء.
وطبعاً من أهم الأمثلة آل سلام، ومنهم السياسي والوجيه البيروتي المشهور والزعيم أبو علي سلام، الذي كان موالياً للدولة العثمانية، وكان لا يختلف كما يظهر بالعادات والتقاليد والثقافة، عن عامة وقيم الناس.
طبعاً اليوم تبدل الحال لأن معظم الميسورين والوجهاء أصبح رافدهم الثقافي هو غربي، وتجد بينهم من يعادي تاريخه ومنفصل عن الشرائح الشعبية الأخرى. لذلك لا يصح أن نفترض أن حال الطبقة الأرستقراطية أو الميسورة اليوم مطابق لحالها كما كانت قديماً في العصر العثماني.
ثالثاً: وأخيراً الفئة التي أريد الكلام عنها هي فئة المثقفين. هؤلاء عندهم أفكارهم الخاصة بخصوص السلطنة والحكام، لأن الكثير منهم خريجو كليات ومدارس وجامعات، إما تبشيرية أو أجنبية أو خارجية. هم ممتلئون بالأفكار التنويرية والإصلاحية الغربية على الطراز الغربي، وكانوا يريدون إصلاح الدولة العثمانية أو أقسام من الدولة العثمانية وفقاً لما تعلمه بالغرب، أو وفقاً لما تشربه من أفكار خلال دراسته بالغرب، أو من خلال المؤسسات الغربية، لا نتكلم عن بيروت فقط، بل بمختلف أنحاء الدولة العثمانية. هناك مدارس أو مؤسسات تعليمية ذات طابع أجنبي وتبشيري، ولعل أهمها طبعا الجامعة اليسوعية والكلية السورية الإنجيلية التي صارت الجامعة الأمريكية ببيروت، وغيرها. وهناك أيضاً الذين درسوا في فرنسا تحديداً، وعادوا مشبعين بالأفكار الثورية والليبرالية والأفكار الإصلاحية ذات النكهة الغربية. وهؤلاء أعتقد أن علاقتهم بالسلطنة كانت إلى حد كبير سلبية، وبالنسبة لهم كانت تمثّل كل ما هو رجعي ومتخلف، وهم يريدون دولة عصرية وفقاً لما تعلموه وتشربوه، أو وفقاً لما شاهدوه في الخارج، وكثير منهم كانوا طالبوا بالاستقلال عن الدولة العثمانية وإقامة دول قومية.
طبعاً القسم الأعظم من هؤلاء المَفكرين كانوا مسيحيين. وللأسف البعض منهم تحوّل بعد سقوط الدولة العثمانية من المطالبة بالقومية العربية أو بدول قومية عربية إلى المطالبة بدول وطنية أو بكيانات أصغر حجماً بكثير مما كانوا طالبوا فيه. وحتى البعض منهم ممن كُتب له أن يعيش حتى أواسط القرن العشرين، أنكر عروبته، التي كان في بداياته يطالب بها، وصار يخترع أفكاراً ما أنزل الله بها من سلطان.
أما اهتمام الدولة العثمانية نفسها ببيروت، فيجب أن نعرف أن أية دولة ولأسباب متعددة تعطي أحياناً أهمية لمنطقة على حساب مناطق أخرى. طبعا الدول العادلة تنصف جميع المناطق، ولكن تحظى مناطق بالاهتمام أكثر من غيرها، والدولة العثمانية لم تكن مختلفة عن أي دولة أخرى، سواء بمعايير اليوم أو بمعايير ذلك الزمان.
الدولة العثمانية والسلطان عبد الحميد أعطوا أهمية لبيروت بعدم أصبحت عاصمة ولاية، بسبب ضرورات أمنية واستراتيجية للدولة تبدّت بعد قيام متصرفية جبل لبنان التي يحكمها متصرف عثماني مسيحي غير لبناني، حيث لوحظ ازدياد النشاط الأوروبي والتبشيري في أوساط سكان المتصرفية ومعظمهم من المسيحيين.
وهنا نذكّر أن المقصود باللبناني أي أنه من أهل جبل لبنان، ولأن الجبل أُعطي نوع من الحكم الذاتي، تم الاتفاق على أن يكون المتصرف دائماً عثمانياً مسيحياً غير لبناني. كان ممكن أن يكون المتصرف مسيحياً بيروتياً، أو مسيحياً طرابلسياً أو من جبل عامل، لأن بيروت وهذه المناطق حينذاك لم تكن تدخل ضمن ما يعرف بلبنان، لبنان آنذاك كان فقط جبل لبنان.
ورغم أن المتصرفين جميعهم كانوا موالين للسلطنة وعندهم ولاء للدولة العثمانية، إلا أن الدولة ارتأت وجوب مراقبة المتصرفية هذه بشكل احترافي أكثر، أو بشكل أفضل، فكان أن تأسست ولاية بيروت التي تشمل أيضا متصرفية جبل لبنان، يعني متصرفية جبل لبنان منذ عام 1888 أصبحت جزءا من ولاية بيروت. والولاية كانت تقسم إلى سناجق. مثلاً كان عنا يوجد سنجق اللاذقية، وسنجق طرابلس، وسنجق طرطوس. ولذلك لم تكن متصرفية جبل لبنان كياناً منفصلاً بذاته كما يُروّج أحياناً بكتبنا وإعلامنا. بل كانت تسمى أحياناً سنجق لبنان وجزءاً من ولاية بيروت المتصرفية. وكون مدينة بيروت هي الأقرب جغرافياً لجبل لبنان، كانت من الطبيعي أن تكون هي مقعد الوالي، ومقعد ومركز الولاية، مع جهاز إداري كامل لمراقبة الجبل، ومراقبة النشاطات الأوروبية فيه.
طبعاً حينما صارت بيروت عاصمة، استتبع ذلك بالضرورة تطويرها، فشُقّت فيها الطرقات وحدثت فيها نهضة عمرانية، وتوسّع مرفأ بيروت، وازدادت الحركة التجارية وكذلك تدفق الأموال إليها. وبالتالي زاد عدد الأغنياء، وتوسعت الشريحة الميسورة، وكبرت الطبقة المتوسطة، وكثر فيها المدارس والمعاهد. يعني الضرورات الأمنية والاستراتيجية العثمانية هي التي دفعت للاهتمام ببيروت بسبب ما كان يمكن أن يشكلّه التواجد الأوروبي من خطر بجبل لبنان على عموم الدولة.
السؤال الثاني: من خلال دراستكم لموقف البيارتة من الثورة ضد السلطان عبد الحميد الثاني، هل يمكن اعتبار موقفهم ثورة فعلية على السلطان أم مجرد تسجيل موقف تاريخي ومحاولة للتميز، أو أن ما قرأنه لا يُعبّر عن حقيقة الواقع آنذاك؟ وهل ترون أن طرح "الاستعداد المبكر للقادم الفرنسي" كان منطقياً، أم أنه يتعارض مع طبيعة الوعي البيروتي آنذاك؟
جواب: بالنسبة للثورة المذكورة، أنا حين اشتغلت على رسالة الماجستير كان هدفي إظهار موقف البيارتة من الثورة التي اندلعت في إسطنبول وأفضت إلى إسقاط السلطان عبد الحميد الثاني وخلعه عن العرش، وقياساً على أمور حدثت لاحقاً، أنا لا أشك أنه كان يوجد في فئة من الناس عندها الذكاء الفطري الكافي لكي تعرف أن سقوط السلطان عبد الحميد كان مصيبة.
أنا مثلاً أنقل عن جدتي ما قالته عن والدها (توفي في عام 1955)، أنه وقت سقط الملك فاروق مثلاً سنة 1952، بكى، وقال سقط آخر ملوك العرب. والدها كان رجلاً أمياً، ولكن كلمته عكست أولاً انهيار العالم الذي يعرفه، والذي عاش فيه، والعالم القائم على الملكيات، حيث أن الملك فاروق بمصر، كان آخر من بقي من رائحة الدولة العثمانية التي ولد وشبّ بأيامها. وجد والدتي، ربما بالفطرة السليمة التي امتلكها كما هو حال الناس حينذاك، أدركوا أن البديل أسوأ، وبغض النظر عن الموقف من الرئيس جمال عبد الناصر، ولكن هذا الرجل (والد جدتي) أدرك بفطرته أن الآتي أسوأ، وهو جمهوريات عسكرية قائمة على الاستبداد.
بالنسبة للفئة الأرستقراطية أو ذوي الشأن أو أشراف القوم ببيروت، كان لديهم شيء من التفاؤل بغدٍ أفضل؛ لأن الصورة التي قدمتها جمعية الاتحاد والترقي وحيث أخفت بوقتها العداء للعرب، هي أن البلاد تحررت، وحرية التعبير أصبحت متاحة، ويجب السير بالإصلاح.
ولا ننسى أيضاً أن هذه الفئة الأرستقراطية وهم ذوو الشأن أو النافذون ببيروت هم أصحاب الزعامات الشعبية، وهم الذين كانوا يسيطرون على الناس ويوجهونهم، فكان لابد من استقطابهم ومسايرتهم من قبل جمعية الاتحاد والترقي للتمكن من ضبط الشارع البيروتي.
وانا أذكر رواية طريفة تتحدث عن أهمية هذه الزعامات وكيف أن الحكومة الاتحادية اللي تلت السلطان عبد الحميد كانت مضطرة لمسايرتهم. هناك مقابلة قديمة مسجلة مع الرئيس صائب سلام -الله يرحمه-، ومحفوظة بالجامعة الأميركية ببيروت من الثمانينيات تقريباً، ويحكي فيها عن والده أبو علي سلام، وكم كانت الناس تحبه. وكان إذا أراد أن يلقي خطبة معينة من على شرفة داره، يذهب كل الناس إلى دار آل سلام بمنطقة المصيطبة، وييجتمعوا ليسمعوا خطاب أبو علي سلام. وخطاباته كانت كلها تتمحور حول الإصلاح بالدولة العثمانية واعتماد اللامركزية الإدارية وما إلى ذلك.
وفي إحدى المرات، سافر أبو علي سلام مع وفد من أعيان البيارتة إلى إسطنبول لمقابلة السلطان عبد الحميد، وعادوا بعد فترة من طريق مرفأ بيروت، فتجمع الناس بأعداد كبيرة لاستقباله. الذين لم يذهبوا إلى الميناء، كانوا يسألون: "رجع أبو علي سلام؟" يقولون لهم: "رجع". فيقولون: "هل جلب الإصلاح معه؟!".
الفكرة مضحكة، وتعكس لك بساطة الناس الذين كانوا يصدقون كل ما يقوله أبوعلي سلام. وهم في الأصل لا يفهمون ما هو الإصلاح ولا معناه، وكانوا يعتقدون أنه شيء مادي ملموس، وسيكون مفيدا للناس! ولك أن تتخيل وضع هذه الفئة من الناس. هم لا يهتمون بالسياسة وأصلاً لا يفهمونها. بالنسبة إليهم السلطان هو الحاكم، وهو يحمي الإسلام والمسلمين، فيُخلصون له ويدعون له بطول العمر.
أما الفئة الأخيرة وهي فئة المثقفين: فمن الواضح جداً أنهم كانوا بقمة السرور والفرح لسقوط السلطان عبد الحميد، لأنهم كانوا يرونه مكمّم للأفواه و"قامع للصحافة والكلمة الحرّة"، واستبدادي وما إلى هنالك؛ فالصحف لم تخف سرورها أبداً بسقوط السلطان عبد الحميد، وهي كانت تنافق قبل ذلك، وكانت الصحف نفسها تكيل المدائح للسلطان، وتصفه بأنه أمير المؤمنين، وصاحب الجلالة.
أما فكرة الاستعداد المبكر للقادم الفرنسي؟ فهذا كلام غير صحيح، على الأقل بالنسبة للفئتين اللتين ذكرتهما (عامة الناس وفئة الأرستقراطيين)، وقسم من المثقفين. طبعاً لا ننسى أن هاتين الفئتين (الزعامات والمثقفين) على الأقل، كانت نواياهم بعد سقوط الدولة العثمانية وبعد الثورة العربية الكبرى على حكومة الاتحاد والترقي، كان يؤيدون قيام دولة عربية موحدة في العراق والشام وشبه الجزيرة العربية بزعامة الشريف حسين، وقسم كبير منهم كان صادق المشاعر بهذا الشيء، ويمكن رؤيته في أشعار بعض الشعراء. مثلاً الأخطل الصغير وغيره من الشعراء والكتاب، كان عندهم قصائد تضج بالمشاعر القومية العربية، في وقت، تفاءلت الناس خيراً بإعلان الحكم الفيصلي بدمشق وقيام المملكة العربية السورية. الناس قطعاً لم تكن تنتظر الفرنسيين، ولم يكونوا ليتقبلوا حاكماً غير مسلم.
بعض الفئات من الفئات الارستقراطية وأصحاب النفوذ والزعامات، ظهر واضحاً في مذكراتهم ومواقفهم في الصحف بذلك الوقت، أنهم كانوا يفضلون فرنسا على أي مشروع آخر. ومن الأمثلة، بترو طراد، الذي أصبح رئيساً للجمهورية بعهد الانتداب الفرنسي، قبل الشيخ بشارة الخوري.
بترو طراد كان من ضمن الأسماء التي اكشفت جمال باشا صلتها بالفرنسيين؛ كان طراد عضواً بجمعية بيروت الإصلاحية (وهي أول جمعية غير طائفية تنشأ ببيروت وتطالب بإصلاح أوضاع المدينة، وبإصلاح الدولة العثمانية وفق نظام اللامركزية)، وكان على اتصال بالوقت نفسه مع الفرنسيين. جمال باشا اكتشف رسالة أرسلها طراد مع أشخاص آخرين ومعظمهم من المسيحيين تحت عنوان "أوضاع النصارى في سوريا"، وفيها شكاوى ومبالغات شديدة جداً، وادعاءات بان المسيحيين يتعرضون للاضطهاد والظلم، ويطالبون فرنسا بإنقاذهم من وضعهم البائس.
ولما جُوبِه طراد بهذا الكلام قال لجمال باشا: "معاذ الله أن أكتب شيئا كهذا، ونحن أصلاً لا نشعر بالراحة أو بالأمان إلا تحت حكم الهلال".
طبعاً فيما بعد، هرب بترو طراد إلى مصر وبقي فيها لحين انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية حيث عاد إلى بيروت، وكان نتيجة ذلك أن صار سياسياً بعهد الانتداب ثم رئيساً للجمهورية مثل ما ذكرنا.
السؤال الثالث: انطلاقاً من مسار التاريخ البيروتي، كيف تقرأون أداء البيارتة بمختلف طبقاتهم ومستوياتهم الاجتماعية وتفاعُلهم طوال فترات الحكم العثماني الطويلة؟ وما هو الحال الذي صاروا إليه بعد سقوط الدولة العثمانية ودخول جيوش الحلفاء إلى لبنان؟
جواب: بالنسبة لسكان بيروت خلال العصر العثماني، أعتقد أن الجواب موجود بين ثنايا الإجابات على الأسئلة السابقة التي تحدثنا عنها. هذا بالنسبة على الصعيد الاجتماعي، وطبعاً أنا أتكلم عندما تحولت بيروت إلى مدينة مهمة ومركز ولاية، وبالتالي ظهر فيها فئة كبيرة من المثقفين والمتعلمين.
أما على صعيد الملة أو الطائفة، طبعاً أغلب سكان بيروت كانوا مسلمين من أهل السنة والجماعة، وبالتالي كان ولاءهم مطلقاً إلى حد كبير للدولة العثمانية.
القسم الآخر من سكان بيروت كان من المسيحيين، ومعظمهم من الروم الأرثوذكس. وهؤلاء كان عندهم بحكم الواقع والمصلحة ولاء للدولة العثمانية وانتماء للمنطقة. فهم بالنهاية مسيحيون شرقيون والبطريركيات الرومية الأربعة موجودة بالمنطقة، وهي بطريركية الإسكندرية، وبطريركية بيت المقدس، وبطريركية أنطاكية وبطريركية القسطنطينية، وكلها كانت تحت جناح الدولة العثمانية، وقبل ذلك، كانت تحت جناح الدول الإسلامية المتعاقبة. فهم لا يشعرون بالانتماء لأوروبا ولم يكن عندهم ذلك الامتداد الأوروبي بسبب الخلاف المذهبي بينهم وبين الكاثوليك، وفيما بعد بينهم وبين البروتستانت كذلك. وأصلاً معظم الأرثوذكس بالديار الشامية ومنها لبنان هم من اصول عربية بلا خلاف، ولو أنكر البعض. يعني غالبية الروم الأرثوذكس هنا، ينحدرون من الغساسنة وكذلك من قبائل عربية أخرى.
طبعاً بعض العائلات الأرثوذكسية عندها جذور غير عربية أي يونانية، ويظهر ذلك من ألقاب العائلات، يعني آل فاسيليس مثلاً، أو عائلة بسترس البيروتية المشهورة.
والسبب الآخر الذي كان يدفعهم لموالاة الدولة العثمانية ذكره الدكتور طارق متري بأحد مقالاته أن الروم الأرثوذكس كانوا يرون أن الدولة العثمانية تمثل الدرع الواقي لهم من الهجمة الكاثوليكية الغربية، لا سيما في ذروة قوتها في بداياتها وبأوسط حياتها، وكانت في موقع الهجوم على أوروبا، وإن تحولت لاحقاً لموقع الدفاع، ولكنها كانت تمنع التحرش الكاثوليكي، وتمنع الهجمة الأوروبية على بلاد الإسلام، وكانت مانعة للهجمة الكاثوليكية على الأرثوذكس وتحول دون توسعها على حساب الأرثوذكس.
ولما كانت الدولة العثمانية شأنها شأن الدول الإسلامية السابقة تترك للمسيحيين حق إدارة شؤونهم الدينية بأنفسهم، وتعترف بزعاماتهم الروحية والسياسية المحلية، أعطى ذلك الروم قدر كبير من الحرية، التي أثبتت التجربة السابقة أنه كان يستحيل أن يتمتعوا فيها تحت ظل أي حكم كاثوليكي، سواء من أيام الصليبيين أو فيما بعد عندما تعرضت المنطقة لبعض بعض الحملات التبشيرية التي كانت تستهدف المسلمين، وأي شخص غير كاثوليكي، وكذلك اليهود والأرثوذكس.
طبعاً هذا لا ينفي أنه كان يوجد بعض الأرثوذكس من غير الموالين بطبيعة الحال، الذين فضلوا روسيا على الدولة العثمانية، وحتى والوا الغرب الكاثوليكي. يعني لا نستطيع أن نتخيل أن الحياة كانت مثالية بالمطلق، ولا كانت اقتتال بالمطلق، ولكن السائد أن الأرثوذكس في معظم تاريخهم في بيروت وخارجها لم يكن عندهم مشاكل مزمنة مع الدولة العثمانية.
ومن الطرائف مثلاً، ما ذكره الدكتور أنيس فريحة اللغوي والأكاديمي اللبناني المشهور، الذي ولد أرثوذكسيا في قرية رأس المتن، وكان من أساتذة الجامعة الأمريكية، أنه لما نشبت الحرب العالمية الأولى، كان الأرثوذكس يدعون لروسيا بالنص، وكذلك يدعون للدولة العثمانية بالنصر، علماً بأن العثمانيين والروس كانوا أضداداً وفي حالة عداء؛ فروسيا كانت تعتبر نفسها زعيمة الأرثوذكس وحاميتهم بالعالم. وفي الوقت نفسه، كانوا يشعرون بالانتماء للدولة العثمانية التي يعيشون في ظلالها. الموقف كوميدي، ولكنه يعكس لك وجهة نظر قسم من الرأي العام المسيحي الأرثوذكسي حينذاك تجاه الدولة العثمانية.
أما على الصعيد الاجتماعي، فمن المعروف أن البيارتة خلال العصر العثماني، عندما بدأت بيروت تكبر وتتنوع، كان التآخي حقيقي بين مختلف الطوائف، خاصة المسلمين والمسيحيين الروم الأرثوذكس. ونعطي مثال منطقة رأس بيروت، التي كان فيها تداخل كبير وتآخ عجيب بين المسلمين والمسيحيين، بحيث كانت الاحتفالات واللهجة والعادات والتقاليد واحدة تقريباً. وكان من عاداتهم تجنب الزواج المختلط، الذي هو في الأصل مباح لدى المسلمين، ولكن حتى لا تحدثَ مشاكلُ مستقبلاً على الأقل، كانوا يتآخون بالرضاعة، ويوثقون ذلك بالمحكمة الشرعية. فكنت ترى امرأة اسمها هيلانة ولقبها أم محمد بالرضاعة، أو فاطمة مثلاً ولقبها أم جرجس بالرضاعة، وما يصدق على المسلمين والمسيحيين يصدق أيضاً على المسلمين والدروز وغيرهم.
ومن بعض النماذج على التآخي ببيروت، كان أحد المساهمين بعمارة مسجد عين المريسة، هو من دروز المنطقة، ويقال إنه كان يحمل الأحجار بنفسه لبناء المسجد، وكان من وقت لآخر يعتكف فيه.
أما حين حينما سقطت الدولة العثمانية وجاء الانتداب الفرنسي، جاءت فرنسا بما تحمل من عنصرية ضد المسلمين بالذات، وعملت على تغير وجه مدينة بيروت بشكل أو باخر، وتصبغه بصبغة مسيحية. كما انتزعت فرنسا بعض الملكيات من أصحابها المسلمين، وأعطتها لحلفائها من الموارنة بالذات، ومنها بعض مصانع مواد البناء والثلج والورق التي كان يمتلكها بيارتة؛ استولت عليها بذريعة أنها كانت تستخدم لتصنيع السلاح "للأعداء العثمانيين"، وبذلك خسر أهل بيروت قسما من أنشطتهم التجارية.
كما تراجع نفوذ الزعامات الإسلامية، وتحديداً ببيروت، بسبب ممارسات فرنسا وجهودها للتحكم بعامة الناس وفرض سلطتها عليهم. أبو علي سلام يذكر أن مذكراته كانت أطول وتتضمن تفاصيل أكثر، إلا أن الفرنسيين اقتحموا دارته وأحرقوها. أما المذكرات الموجودة بين أيدينا، فهي التي أعاد أبو علي سلام كتابتها وفقاً لما بقي في ذاكرته. وهذا يعني أن أموراً كثيرة قد تكون غابت عن ذاكرته ولم يتمكن من استرجاعها.
الفرنسيون عملوا أيضاً بطرق كثيرة على إلغاء جزء من تاريخ المدينة وهويتها وثقافتها، رغم انجازهم خدمات معينة مثل شق الطرق، وبناء العمارات الحديثة، وتحسين الوضع الصحي، والتخلص من أحياء كانت كالخرائب.
ومن المعروف طبعا أن عامة المسلمين ببيروت والمناطق الأخرى كانوا يرفضون بشكل قاطع الوجود الفرنسي. ورفضوا كذلك تأسيس كيان سياسي جديد منفصل عن سائر الديار الشامية. جميع المسلمين بدون استثناء من أهل السنة ومن الشيعة كانوا يطالبون بالاتحاد مع الحكم الفيصلي بدمشق، وحتى بعد سقوط الحكم الفيصلي ودخول سوريا كذلك تحت الانتداب الفرنسي، ظل المسلمون يسعون لشيء من الوحدة مع دمشق، وكان يوجد محاولات لتحقيق نوع من الوحدة مع مصر في عهد الملك فؤاد، الذي اشترط أن يصبح ملك مصر وسوريا (يقصد بسوريا الديار الشامية).
بالنسبة للأرثوذكس ببيروت، لا أعلم كثيراً عن أحوالهم في فترة الانتداب الفرنسي، ولكن يمكن تقسيمهم لقسمين: القسم الذي انضوى تحت جناح المارونية ونال بعض الفوائد السياسية، وهؤلاء في الأصل كانوا متأثرين بفرنسا لأسباب مختلفة منها دراستهم بالخارج، ومنهم شارل دباس، أول رئيس للجمهورية بعهد الانتداب، وبترو طراد سالف الذكر. ومنهم أيضاً الفئة التي كانت ربما أقرب للفكر القومي العربي أو لفكر الاندماج مع سوريا، ولكن أعتقد أنها كانت فئة صامتة، ولا ترغب بإظهار رأيها الحقيقي الذي يمثل ميلاً إلى خيارات المسلمين أكثر من رأي إخوانهم في الدين، وعموماً هذا رأي شخصي والله أعلم.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook